د. يوسف بن صالح الصغير
من المعلوم أن أكبر مظاهر الفشل والتردي هو تحوُّل أسباب القوة إلى مظاهر ضعف، وتحوُّل القوى الداعمة إلى قوى معيقة، وانقلاب الصفات المرغوبة والأخلاقيات المفضلة إلى سبة ومنقصة، وهنا لا مناص من الاختيار بين التغيير الكامل أو الانهيار الكامل، وإذا أردنا دراسة أحد الأمثلة المعبرة فإنها تنطبق على المأزق الأمريكي.
فقد أدى سقوط الاتحاد السوفييتي السريع إلى فقدان الولايات المتحدة لتوازنها، حيث فوجئت بأنها أصبحت سيدة العالم بلا منازع، ودخلت في مشاريع كثيرة اعتُني فيها بالعناوين والبدايات وأهملت التفاصيل والاحتمالات؛ لأن النجاح مضمون ومؤكد؛ وبدأت موجة من التغيير في أوروبا الشرقية، وتحت رايات الحرية والوعود بالرفاه، وصل إلى الحكم من يحمل الجنسية الأمريكية، وبعد سنوات قليلة اكتشف الناس أن الذي انتقل إليهم من الغرب هو مستوى الأسعار، بدل مستوى المعيشة، وأن النظام الاقتصادي الجديد نجح في تصدير سلعة منافسة وحيدة، إنها اللحم الأبيض؛ فقد اهتم الغرب بالسيطرة وأهمل التنمية؛ لأنها تفاصيل لا داعي لها، خاصة عندما يكون الربح مضمونًا، ولذا بدأ الناس رحلة العودة إلى الماضي القاسي هربًا من الحاضر الأقسى؛ وفي هذه الحالة فلا شك أن الروس قادمون من جديد.
أما في أصقاع العالم الإسلامي فقد رفع الغرب شعارات الحرب الاستباقية على الإرهاب ومواجهة محاور الشر ونشر الديمقراطية والإعمار؛ وأخيرًا حماية إسرائيل. واستغلت أمريكا دخول صدَّام للكويت وأحداث الحادي عشر من سبتمبر في تكثيف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة واحتلال أفغانستان والعراق واستكمال السيطرة على منابع النفط.
إنها إنجازات هائلة في زمن وجيز وبدون خسائر تذكر؛ ففي بداية الحرب على أفغانستان أحس الغرب بأهمية الاستعانة بقوى محلية وإقليمية؛ ومع إجبار باكستان على المشاركة تم الاتفاق مع إيران على مشاركة فعالة حتى إن أحد المسؤولين الإيرانيين صرح أنه ما كان لأمريكا دخول كابل بدون المساعدة الإيرانية، وبقدر ما كان عنوان النجاح مبهرًا في تنصيب الأفغاني المقيم في أمريكا رئيسًا وإقامة حكومة أفغانية تابعة لهم، وإقناع حلف الناتو بالمشاركة، وإقامة مؤتمرات الدول المانحة لما يسمى (إعمار أفغانستان) فإن المشكلة تكمن في التفاصيل؛ فطالبان نجحت في الاحتفاظ بقوتها وتأجيل المواجهة والذوبان في المجتمع، وتحالف الشمال يحس أنه يتعرض للتهميش والإبعاد حتى إن (رباني) صرح باحتمال العودة لحمل السلاح ضد الاحتلال في الوقت المناسب.
إنها تفاصيل مهمة خاصةً إذا علمنا أن طالبان التي تحتفظ بكامل قواها تسخِّن الوضع إلى الحد الذي يدفع الغرب إلى إرسال مزيد من القوات والتورط التدريجي بحيث يصبح وجودهم كبيرًا مما يعني أن هزيمته تعني القضاء على الحلف وتفكيكه، وهذا هدف تسعى إليه أيضًا كل من الصين وروسيا؛ ولذا فإنه عندما يصرح رئيس الأركان البريطاني بأن الوضع في أفغانستان أكثر سوءًا من العراق فإنه يعني أن الأمور تسير إلى وضع عسكري أصعب من العراق؛ لأن سياسة طالبان قائمة على أساس أن إغراق الضحية يجب أن يكون في وسط المستنقع.
وإذا كانت خطط احتلال أفغانستان قد أعدت على عجل؛ فإن غزو العراق دُرِس بعناية بقدر ما تسمح به قدراتهم الذهنية، واتخذ القرار قبل أكثر من خمس سنوات من الغزو، ومع ذلك فقد كثرت العناوين والشعارات وغابت التفاصيل. لقد اعتمد الغزو على قوة امريكية مفرطة وقوى محلية عراقية اجتمعت على هدف إسقاط النظام أساسها الزعامات الكردية في الشمال والقوى الشيعية المرتبطة بإيران التي كان لها حضور قوي في الاجتماعات التمهيدية لهذه القوى مع الجانب الأمريكي الذي اهتم بالعنوان ولم يُلْقِ بالًا لأطروحات الآخرين وتصوراتهم لعراق المستقبل.
لقد تبخر شعار تحرير العراق غداة سقوط بغداد السريع، وتحولت القوات الأمريكية رسميًا إلى قوات احتلال، ولا يتصور أن أيًا من القوى المشاركة سيكون له دور مؤثر، حيث تم تعيين حاكم عسكري. وصرحت كونداليزا رايس من بغداد بأن النجاح في العراق مقدمة لنجاحات أخرى في المنطقة، وتم التصريح باسم سورية؛ حيث إن احتلالها يجعل سورية الكبرى تحت النفوذ الأمريكي المباشر.
وبدأ التحرش بإيران؛ لأن سكرة النصر السريع جعلتهم يحسون بعدم الحاجة لأي خدمات جديدة من إيران، وحيث إن دور العملاء يتعاظم مع تعاظم الحاجة لخدماتهم فقد حرصت إيران وسورية على إثبات الحاجة إليهما؛ وهنا تاهت أمريكا في التفاصيل التي تكرهها فلم يقبل السُّنَّة التهميش والاحتلال، ولم تمانع الدولتان في تنامي المقاومة السنية في أفغانستان والعراق؛ بحيث أصبحت إيران وسورية ممرًا آمنًا لمن يريد الانضمام للمقاومة السنية، وكان تصاعد المقاومة في العراق دافعًا لبناء جيش وأمن عراقي جديدين، وكلما نمت المقاومة السنية تضطر أمريكا لزيادة حجم وتسليح القوى العراقية الجديدة المكونة أساسًا من الشيعة، وارتفع العدد من عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف، ومع انشغال أمريكا بمواجهة السنَّة تم نسيان التعمير؛ بل تم نسيان نفط العراق وتسلَّم الشيعة القادمون من إيران التابعون لحزب الدعوة والثورة الإسلامية مقاليد السلطة.
وتحت شعار مواجهة الإرهاب دخلت الميليشيا الشيعية التابعة لإيران على الخط، وبدأت تحت حماية قوات الاحتلال والحكومة بتنفيذ عمليات فرز طائفي تمهيدًا لقيام كيان شيعي خالص في جنوب ووسط العراق، وكان الرد الأمريكي مزيدًا من التخبط العسكري والاستمرار في محاولة كسر شوكة السنَّة مع إطلاق التهديدات لإيران وسورية.
وكانت حرب لبنان الأخيرة وسقوط الحزب الجمهوري في انتخابات الكونجرس من الأمور الحاسمة في دفع الإدارة الأمريكية إلى محاولة أخيرة للتخلص من المصيدة العراقية، وبدأ أقطاب الإدارة في القدوم إلى المنطقة طلبًا للمعونة بدلًا من إصدار التوجيهات، وكان اجتماع عمَّان الأخير علامة فارقة يمثل فيه الملك الشاب عبد الله بن الحسين دور الوسيط والمشير.
ولأنه لا يوجد حل مريح لأمريكا فلم يجد بوش بدًا من تكرار ما كان يقوله سابقًا أنه لن ينسحب من العراق قبل إتمام المهمة، ولم ولن يسأله أحد ما هي المهمة؛ لأن الحقيقة أن المهمة قد سُلِّمت لإيران وسورية، وإذا كان يحس أن المالكي ممثل حزب الدعوة لا يستطيع القيام بالمهمة جيدًا، فلم يجد بدًا من دعوة عبد العزيز الحكيم لواشنطن للتباحث معه حول العراق، ولم يزد الرئيس بوش على أنه نفض يده من يد إيران اليسرى ليمسك بيدها اليمنى؛ فأمريكا تمر الآن بمرحلة حساب للمخاطر المحتملة على مصالحها في المنطقة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولذا فإنها على استعداد لتسليم العراق لإيران، وعودة سورية للبنان. ومن هنا نفهم زيارة الرئيس العراقي لطهران واستضافة وزير الخارجية السوري في بغداد وترك حكومة السنيورة لمصيرها أمام معارضة مرتبطة بوضوح بالمحور السوري الإيراني، اجتمع فيها حزب الله ومنظمة أمل.
لقد ادعت أمريكا أن العميل المزدوج (أحمد الجلبي) هو الذي أقنع الإدارة الأمريكية بسهولة غزو العراق وإسقاط نظامه، ولا نستبعد أن أمريكا سترد الجميل لإيران وتدخلها في العراق، ومن ثم يتحول الصراع في المنطقة من مقاومة النفوذ الأمريكي إلى مواجهة السيطرة الباطنية، وستخوض دول المنطقة صراع وجود جديدًا تترحم فيه على أيام التهديد الصدَّامي.
ولا أدري: هل تكون أمريكا في وضع يمكِّنها من تطبيق نظرية الاحتواء المزدوج للشيعة والسنة، أم أنها ستضطر للتفرج من بعيد وتكتفي بمحاولة حماية مصالحها المهددة في حديقتها الخلفية؟
(*) أستاذ مساعد في كلية الهندسة، جامعة الملك سعود، الرياض.