الإسلام لعصرنا
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
تُطلق النسبية في لغتنا العربية المعاصرة على نوعين مختلفين من
النظريات تسمى إحداهما في اللغة الإنجليزية relativity وهي نظرية آينشتاين
المشهورة في الفيزياء، كما تطلق على نظرية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية تسمى
في الإنجليزية: relativism وحديثنا هنا عن الثانية لا الأولى.
النظرية هذه نظرية قديمة حديثة أول من تنسب إليه في تاريخ الفكر الغربي
بروتوجراس اليوناني في القرن الخامس قبل الميلاد. ويقول بها مفكرون غربيون
معاصرون ولا سيما المختصين منهم بعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا. وفحوى هذه
النظرية هو أنه ليس هنالك معيار ثابت يميز به بين الحق والباطل وبين الخير
والشر، بل إن هذه الأحكام أحكام نسبية. ولكن نسبة إلى ماذا؟ هنا يختلف
القائلون بهذه النسبية؛ فالغلاة منهم ينسبونها إلى الأفراد، أي إن ما يراه زيد حقًا أو
خيرًا فهو حق أو خير بالنسبة له وإن خالفه في ذلك عمرو وغيره من الناس.
ويرى بعضهم أنها تنسب إلى ثقافة كل مجتمع. والثقافة culture عندهم هي
منهاج حياة مجتمع من المجتمعات في فترة معينة من تاريخه، وهي تشمل معتقداته،
وأنواع سلوكه، ولغته، وتشمل كذلك عاداته وتقاليده وفنونه ومخترعاته وتقنيته
وتراثه؛ فما يراه أصحاب كل ثقافة حقًا أو خيرًا فهو حق أو خير بالنسبة لثقافتهم
هذه؛ لأنه ليس هنالك معيار عالمي للحق والخير متفق عليه بين الناس. يقول
أحدهم: «كل ما كان من أعراف وعادات زمان ومكان معين فله ما يسوِّغه في ذلك
الزمان والمكان» [1] وتقول عالمة اجتماع أخرى: «إن معظم المجتمعات البشرية
تسلك طرقًا مختلفة طلبًا لغايات مختلفة؛ فلا يمكن الحكم على وسيلة منها أو غاية
بمقاييس مجتمع آخر؛ لأنها غير قابلة للموازنة» [2] .
فليس هنالك إذن معيار عالمي تقاس به الثقافات، فيُصَوَّب بعضٌ أو يُخَطَّأ
بعضٌ، أو يفضل بعض على بعض. وعليه يقولون فلا يحق لأصحاب ثقافة ما أن
يحكموا على الثقافات الأخرى بمعايير ثقافتهم؛ بل إن النظرة العلمية المحايدة
تقتضي أن تقوَّم كل ثقافة تقويمًا داخليًا بمعاييرها هي لا بمعايير أجنبية عنها. فإذا
كان الإسكيمو مثلًا يرون أنه من الكرم أن يُعِير الزوج زوجته لغيره، وإذا كانت
بعض المجتمعات تقتل الأولاد في المهد، أو تقتل كبار السن لأنهم لا ينتجون،
فبأي معيار ننكر عليهم أعمالهم هذه؟
يلاحظ على هذه النظرية ما يلى:
أولًا: كونها من النوع الذي يقال عنه إنه ينقض نفسه؛ لأنه إذا كان كل حكم
بالصحة أو البطلان وبالخيرية والشرية إنما هو حكم ذاتي أو ثقافي؛ فإن القول بهذه
النظرية هو نفسه حكم ذاتي، أو من إملاء ثقافة معينة، فبأي حق يقال إنه حقيقة
عالمية يجب على الناس مراعاتها كما هو ظاهر قول دعاتها؟
ثانيًا: أن هنالك قيمًا خلقية وأنماط سلوك مشتركة بين الناس جميعًا رغم
اختلاف ثقافاتهم وأزمانهم وأماكنهم، كما اكتشف ذلك بعض علماء الأنثروبولوجيا
أنفسهم. ويمثلون لهذه القيم باعتبار الكذب والقتل وغشيان المحارم وعدم العدل في
المعاملة من الرذائل في كل المجتمعات.
ثالثًا: أن عدم اتفاق الناس جميعًا على معايير للأخلاق وللصدق لا يعني أنه
ليست هنالك معايير؛ فوجود المعيار شيء والاتفاق عليه شيء آخر.
رابعًا: أنه ما من أصحاب ثقافة إلا وهم يحاولون تسويغ قيمهم وسلوكهم
بمسوِّغات مستندة إلى معايير. لا أحد منهم يقول: هذا ما نراه وهو حق أو خير
لأننا نراه حقًا أو خيرًا، بل يحاولون تسويغه استنادًا إلى معايير قد يمكن مناقشتهم
فيها وبيان خطئهم فيها استنادًا إلى معايير عقلانية يشتركون فيها مع سائر الآدميين.
خذ وأد البنات عند عرب الجاهلية مثلًا: لقد كانوا يفعلون هذا بحجة خشية
الإملاق كما ذكر القرآن الكريم؛ وهم كانوا مع ذلك يؤمنون بالخالق سبحانه، ولذلك
أُمكن أن يُناقشوا وأن يتغير موقفهم بعد أن أسلموا وحسنت بالله معرفتهم.
خامسًا: أن الواقع المحسوس الذي يؤمن بشهادته كل البشر يدل على كون
الشيء حقًا أو باطلًا ليس بالأمر الذي تقرره الأهواء الفردية أو الثقافية. لا يقول
آدمي عاقل مهما كانت ثقافته: إن طلوع الشمس مثلًا أمر نسبي؛ فهي طالعة
بالنسبة لبعض غائبة بالنسبة لآخرين في نفس الوقت ونفس المكان.
سادسًا: حتى لو قلنا بالنسبية فلماذا تكون النسبة إلى أهواء الأفراد وإلى
الثقافات؟ لماذا لا تكون إلى أمور يشترك فيها البشر: شهادة الحس، الأدلة العقلية،
أو حتى بعض المسوغات الباطلة التي يمكن مناقشة الناس فيها كما ذكرنا في
المسألة الرابعة؟
سابعًا: إن البشر كائنات اجتماعية، وهم لا يستطيعون أن يكونوا مجتمعًا
متعاونًا مترابطًا إلا بقيم معينة مثل تلك التي ذكرناها آنفًا والتي صار بعض من
علماء الاقتصاد والاجتماع يسميها لذلك بالرأسمال الاجتماعي. فالمجتمع كلما كان
رأسماله منها كبيرًا كان أكثر تماسكًا واستطاع أن يحقق من أهدافه الاقتصادية
والسياسية ما لا يحققه مجتمع تفكك بسبب قلة نصيبه من رأس المال هذا [3] .
لكن النسبية برغم بطلانها هذا تنتشر الآن في الغرب، وفي أوساط الشباب
خاصة انتشارًا مرَضيًا كما تذكر المراجع، وكما سمعنا من شبابنا الذين يدرسون
معهم في جامعاتهم. لقد صاروا يعتقدون أن مسائل الأخلاق والأديان كالمسائل
الذوقية التي يختلف فيها الناس اختلافًا يرجع إلى أمزجتهم؛ لأنه ليس هنالك من
معيار موضوعي لها. وربما كان هذا الإيمان بالنسبية رد فعل للتعصب المقيت
الذي كان وما يزال سائدًا في بعض الأوساط الغربية التي تجعل من ثقافتها المعيار
الوحيد الذي تقاس به أديان الآخرين وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ فما اقترب منها
إليهم كان أقرب إلى الحق والخير، وما بَعُدَ عنها كان عنهما أبعد. والحقيقة أن
العالم الإسلامي، بل كل العالم قد عانى من أمثال هؤلاء، ولا سيما السياسيين منهم،
ما لم يعانِ من القائلين بالنسبية؛ وذلك لأن القول بالنسبية وإن كان باطلًا ينتج
عنه عادة نوع من التسامح مع المخالف.
لكن النسبية تبقى داءً من أدواء الحضارة الغربية. وقد انتقل هذا الداء، كما
انتقل غيره من الأدواء، إلى كثير من مثقفينا في العالم الإسلامي، حتى الإسلاميين
منهم. بل إن بعض هؤلاء الإسلاميين صاروا يبحثون للنسبية عن أصول في إرثنا
الإسلامي؛ فهم تارة يذكرون قول القائلين من الأصوليين بأن كل مجتهد مصيب،
وتارة يستدلون كاستدلال أولئك بقصة الصلاة في بني قريظة، تارة أخرى يذكرون
قاعدة تغيُّر الأحكام بتغيُّر الزمان والمكان، ويرون أكبر دليل عليها كون الإمام
الشافعي صار له مذهب جديد بعد انتقاله إلى مصر.
الحقيقة أنه ليس في شيء من هذا ما يعضد فكرة النسبية في شكلها الغربي
الذي شرحناه.
أولًا: لأن المسلم، بل كل مؤمن بوجود الخالق، يعتقد أن وجود خالقه ليس
أمرًا نسبيًا تابعًا لعقول المؤمنين، بل يعتقد أنه موجود وجودًا مستقلًا حتى عن
معرفة الناس به، بل حتى عن وجودهم. أعني أن الخالق موجود حتى لو لم يكن
في الوجود إنسان؛ لأن وجوده سبحانه سابق لوجود كل المؤمنين به. فوجوده إذن
حق مطلق غير مقيد بشيء، فلا يمكن أن يكون نسبيًا. والمسلم يعتقد إلى جانب
ذلك أن هذا الخالق مستحق وحده للعبادة حتى لو لم يعبده من البشر عابد. فقضية
استحقاقه للعبادة هي أيضًا حقيقة مطلقة غير مقيدة بعبادة العابدين. وكذلك الأمر
بالنسبة للفضائل الخلقية من صدق وعدل وأمانة ووفاء، يعتقد المسلم أن هذه
فضائل سواء آمن الناس بها أو لم يؤمنوا، وسواء التزموا بها أو لم يلتزموا؛
فقيمتها هي إذن قيمة مطلقة غير منسوبة لا إلى الأفراد ولا إلى الثقافات.
ثانيًا: والقائلون بأن كل مجتهد مصيب لا يقولون إن معيار الصواب هو قول
المجتهد؛ لأنهم يعلمون أن القاعدة الإسلامية هي أن الحق لا يُعرَف بالرجال؛ فهم
ينسبون الإصابة إلى الاجتهاد الذي هو أمر موضوعي مستند إلى أدلة. لكننا لا
نستطيع رغم ذلك أن نقول إن كل مجتهد مصيب؛ فماذا لو كانت اجتهاداتهم
متناقضة؟ بأن يقول هذا: إن الأمر مشروع، وذاك يقول: إنه غير مشروع؟ أو
يقول هذا: إنه واجب أو مندوب، ويقول الآخر: إنه حرام أو مكروه! إن
تصويب كل منهم جمعٌ بين النقيضين، وهو أمر لا يقول به عاقل. أما إذا لم تكن
الاجتهادات متناقضة فقد تكون كلها صوابًا وقد لا تكون.
ثالثًا: أما قصة الصلاة في بني قريظة فأظن أن كثيرًا من الذين يستدلون بها
على نسبية الصواب لم يفهموا قول النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه. نعم إن
النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطِّئ الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريظة، كما
أنه لم يخطئ الذين لم يصلُّوا إلا بعد الوصول إليها؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم قال:
إن الصلاة قبل الوصول إليها مقبولة والصلاة بعد الوصول إليها مقبولة؛ وهذا
أمر لا تناقض فيه، كما أنه لا تناقض بين القول بأن الصلاة في أول الوقت مقبولة
وفي آخره مقبولة. لكن يبقى أمر آخر هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن
صوَّب ما فعله كل من الفريقين إلا أنه لم يصوِّب ظن كل منهما بأن ما فعله الآخر
خطأ؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم قال لكل منهما: إنك أصبت فيما فعلت، وأخطأت
في تخطئتك لفعل الفريق الآخر. نقول بعبارة أخرى: إن النبي صلى الله عليه
وسلم لم يصوِّب المذهب الكامل لأي من الفريقين، وإنما أقر ما في كل منهما من
الصواب.
رابعًا: أما مذهب الشافعي الجديد فيكفي في بيان عدم علاقته بالنسبية، كون
الشافعي غيَّر رأيه في مسائل لا علاقة لها بالمكان الذي انتقل إليه، فلا يمكن أن
يكون المكان سببًا فيها. من ذلك أن من تحرى القبلة فصلى ثم تبين له أنه صلى
إلى غير القبلة: هل تجب عليه الإعادة؟ قال في القديم: لا تجب. وقال في
الجديد: بل تجب. فما علاقة هذا بكونه في مصر أو في الحجاز؟ وإذا كان
الشافعي قد غيَّر رأيه في بعض المسائل فكذلك فعل غيره من الأئمة من أمثال الإمام
أحمد من غير أن يرحلوا عن المكان الذي هم فيه.
بقي أن نقول: إن هنالك أمورًا هي بطبيعتها نسبية، والناس متفقون على
نسبيتها؛ فما ينبغي أن تختلط بنسبية الحقيقة ونسبية القيم الخلقية التي كانت
موضوع هذا المقال. من النسبيات المقبولة نسبية الطول والقصر مثلًا؛ فوصف
الإنسان بالطول والقصر إنما يكون بحسب أطوال غيره من البشر، بل قد يكون
بحسب الطول المعهود في المكان الذي هو فيه. فالقصير في جنوب السودان قد
يكون طويلًا في الصين. لكن هذه النسبية لا تسبِّب خلافًا كبيرًا بين الناس؛ لأنهم
في العادة يتفقون على ما يُنسب إليه الأمر. فالإنسان طويل أو قصير بالنسبة إلى
البشر لا بالنسبة إلى النخل، وكذلك هو سريع أو بطيء بالنسبة للناس لا للخيول
والسيارات، والصلاة خفيفة أو طويلة بالنسبة إلى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم،
لا بالنسبة إلى ما يقدره كل إنسان.
(2) المرجع السابق والصفحة.