التحرير
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فقد بدأت معركة الفلوجة ولم تنته.. ولن تنتهي، لماذا؟ لأن أي معركة لكي تضع أوزارها لا بد من أن ينهزم أحد طرفيها وينتصر الآخر، أو يتصالحان؛ وهذا لم يحدث في الفلوجة؛ فالمقاومة انتصرت حتى قبل أن تبدأ المعركة، لكن في المقابل قوات الاحتلال لا تعترف بالهزيمة، وتستعيض بتدمير المباني التي يختبئ داخلها الإنسان ـ وهو عمل سهل ـ عن تدمير المعاني التي تختبئ داخل الإنسان ـ وهو مطلب عسير ـ وهنا تكمن المفارقة في معنى النصر والهزيمة لدى الفريقين.
وعند هذه المرحلة التي وصلت إليها الحرب لم يعد كافيًا التحدث بلغة الأرقام التي فقدت جانبًا كبيرًا من مصداقيتها مع تعدد الجهات المتحدثة بها واختلافها ومع طول المعركة، ومن ثم نقدم هذه الرؤية الاستراتيجية لثلاثة محاور مؤثرة في معركة الفلوجة التاريخية.
-مستقبل المقاومة العراقية:
المقاومة ضد المحتل لها طابع خاص يختلف عن سواها من المعارك الحربية؛ فهي حالة من الرفض والعداء لوجود الاحتلال الأجنبي، وانتصار المقاومة يحدث بمجرد بقائها واستمرارها، ولا يشترط لذلك تحقيقها لانتصارات عسكرية متواصلة، لكن المقاومة في العراق نجحت في تحقيق الأمرين، كما تفوقت في أمر ثالث أيضًا، وهو: دفع الاحتلال إلى خوض معركة أرقام مع المقاومة. وبعبارة أخرى: أصبحت قوات الاحتلال تخوض المعركة الخطأ في التوقيت الخطأ، كيف؟
حدث ذلك لتداعيات كثيرة أبرزها أن الحملة الأمريكية على الفلوجة أفضل دعاية لكي يُسارع العراقيون السُّنة للانضمام إلى المقاومة، ومنها أن الفلوجة تحولت إلى ميدان تدريب كبير لكي يكتسب فيه المقاتلون قدرات قتالية عالية، ومنها أن الفلوجة تحولت إلى ميدان أكثر ملاءمة لممارسة أسلوب الكر والفر في القتال. ويقول الخبير الاستراتيجي السويسري (ألبرت شتاهل) : «إن مدينة مدمرة تتيح مجالًا جيدًا لاختباء فصائل المقاومة، وتدبير شراك وكمائن ضد قوات الاحتلال» . ومنها أن الاحتلال خاض المعركة لكي يكرس لإقامة الانتخابات في يناير القادم، فانتهى الحال إلى طلب تأجيلها ستة أشهر كاملة، ومنها أن أغلب من كان مترددًا من العرب السُّنة في المشاركة الانتخابية أصبح موقفه الآن واضحًا وهو عدم المشاركة.
وبدلًا من تدمير المقاومة؛ فإن الجهد العسكري الأمريكي يدفع في نهاية الأمر إلى انتعاشها، وتلك حقيقة يغفل عنها الأمريكيون. إن المقاومة تتنفس بنضالها وقتالها؛ وإن كانت هجمات المقاومة على الأمريكيين شهيقًا لها؛ فإن هجمات الأمريكيين على المقاومة زفيرُ أنفاسها، ومن غير شهيق وزفير لن تتنفس المقاومة ولن تعيش.
وقد يصعب على بعض الناس استيعاب هذه الحقائق، ولذلك نسوق لهم شهادة أمريكية من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وهو مؤسسة بحثية لها مكانتها، وقد أصدر المعهد في سبتمبر الماضي وتحديدًا قبل معركة الفلوجة تقريرًا يُقوِّم فيه أداء المقاومة وتطورها ومستقبلها، وانتهى التقرير الأمريكي إلى أنها أحرزت تقدمًا هائلًا على كافة الأصعدة، فذكر أنها تتجه إلى أن تكون موحدة تحت نوع من القيادة الجماعية، ويلتف أغلبها حول رجال الدين، وأنها أصبحت تمتلك قدرة على إدارة عمليات متواصلة ومستمرة بدلًا من الهجمات المتفرقة، وقدَّرت عدد المدن التي شهدت عمليات المقاومة بـ 43 مدينة، وعدد المقاومين بـ 20 ألف مقاتل.
وعلى الجانب الآخر، أكد التقرير الأمريكي نجاح المقاومة في فرض أوضاع جديدة على قوات الاحتلال؛ فقد دفعت إلى تغيير وتسريع خطط الانتشار العسكري، وأخرجت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية من العراق، وأضعفت مساحة الدول المختلفة من قوات التحالف، وأرغمت الحكومة العراقية على تخصيص موارد كبرى للدفاع عن نفسها، وفي النهاية طرح التقرير ستة أسئلة ذكر أن الإجابة عنها ستعطي تحديدًا دقيقًا لوضع المقاومة الحالي ومستقبلها، وتناولت الأسئلة: حجم المقاومة، درجة التنظيم التي تتمتع بها، المساحات التي تسيطر عليها، مدى تحسين قدرات المقاومة، قدرتها على الاستجابة للظروف المتغيرة، قدرتها على فرض تغييرات محددة على سياسات التحالف أو الحكومة العراقية، وكانت المفاجأة أن تقرير معهد واشنطن منح المقاومة العراقية علامات إيجابية على الأسئلة الستة، وهو أمر لن يرضي قطعًا الإدارة الأمريكية.
-الأداء العسكري الأمريكي:
هناك ظاهرة ملحوظة في الأداء العسكري الأمريكي ـ وأيضًا الإسرائيلي ـ وهي أن عجزهم عن تحقيق النصر يدفعهم عادة إلى ممارسة القتل بطريقة جنونية، ثم لا يقدرون على شيء بعد ذلك فينسحبون.
فبعد سنوات طويلة من الإخفاق في فيتنام، شنت قوات الاحتلال على الثوار هجومًا ضاريًا وهو ما أصبح يعرف بـ (معركة هوي) ، وكانت مذبحة كبرى ارتكبها الجنود الأمريكيون، ثم لم يلبثوا أن انسحبوا تمامًا من فيتنام. الأداء نفسه مارسته القوات الإسرائيلية في مدينة جنين بالضفة الغربية، كان الهجوم وحشيًا كاسحًا وتدميرًا لكل ما هو على سطح الأرض، ثم ماذا بعد؟ انسحبت تجر أذيال الخيبة، ولم تلبث المدينة أن تعافت، على الأقل في ثبات أهلها وبسالتهم. ويقول الصحفي الإسرائيلي (عوفر شيلح) من صحيفة يديعوت أحرونوت: «إن الجنود كانوا يعلمون أن المهمة غير ممكنة، فكانوا يستعيضون عن إخفاقهم بممارسة القتل من أجل القتل فقط» .
وهذا ما يحدث الآن في العراق؛ فالجنود الأمريكيون يمارسون القتل من أجل القتل فقط؛ فكل ما حولهم يوحي لهم بالإخفاق وعدم الجدوى، والشيء الوحيد الذي يستطيعونه لتفريغ الكبت الذي يعانون منه أن يقتلوا المزيد من العراقيين. يتحدث الجندي الأمريكي (جيمي ماسي) أنه قتل في يومين فقط أثناء خدمته في إحدى نقاط التفتيش في العراق نحو ثلاثين عراقيًا بين رجل وامرأة وطفل، وكلهم لم يكونوا يحملون أي سلاح. ويروي الكابتن (روبرت بوريس) قائد سرية دبابات في الفلوجة بفخر للصحفيين: «أطلقنا قذائف الدبابات على المساجد، قُتل كثيرون، واعتقلنا عشرات في المساجد» . هذا يعني أن الظاهرة التي احتاجت سنوات طويلة لتظهر في فيتنام، بدأت في الظهور في العراق بعد أشهر قليلة من بدء الغزو؛ فهل يعني ذلك أن الانسحاب الأمريكي من العراق قد اقترب؟
-الصمت العربي والدولي:
ونبدأ بالصمت الدولي، أو بالأحرى صمت الدول الغربية، فنقول: إنه في حقيقته ليس صمتًا.. نعم! قد يكون صمتهم عِيًّا باعتبار المبادئ التي زخرفوها لنا ليخدعونا بها، ولكن صمتهم بلاغة باعتبار حقيقة نواياهم وثقافتهم الاستعمارية التي وإن أبلت السنون غلافها الخارجي، فإنها لا تزال تتقد في عقولهم وقلوبهم، ويشتد أُوارها بما يرونه من حرق واحتراق بحراب كفارهم في محراب مؤمنينا.
أما صمت العِيّ العربي فلا تفسير له، وسقوط مئة ألف قتيل عراقي منذ بدء الاحتلال إلى الآن لا يبدو كافيًا كي تتفاعل ضمائرهم مع جوارحهم فتطلق أي رد فعل إيجابي، لكن الذي يحدث هو العكس تمامًا.
إن هذه دعوة للعرب كافة أن يتأملوا في معنى تدمير أكثر من نصف مساجد الفلوجة (120 مسجدًا) واحتلال بعض النصف الباقي، ويسألوا أنفسهم: ماذا يعني تدمير مسجد أو احتلاله؟ إنه يعني هدم أركانه وتدنيس محرابه وتلويث جدرانه، وقبل ذلك ـ من بدهيات الموقف ـ تدنيس مئات المصاحف التي لا يخلو منها مسجد، وتمزيقها وإلقاءها على الأرض؛ وهذه لقطات لم تنقلها الكاميرا، ولكن نقلتها بوضوح لقطة الصليب المعلق فوق مدفع مصوب إلى نحور المسلمين في الفلوجة، ليخبرنا دون مواربة عن شعار المعركة.. إنها حرب بين الحِراب والمحراب.