ثم قام بالفتوى بعض أصحابه الصادقين الأتقياء، وهم كما وصفهم الإمام ابن القيم (عسكر القرآن وجند الرحمن) أَلْيَن الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا وأَعَمُّهَا نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة، وكانوا بَيْن مُكْثِر من الفتوى ومُقِلٍّ ومتوسط، جزاهم الله تعالى خير الجزاء.
والذين حُفِظَت عنهم الفتوى من الصحابة مائة ونَيِّفٌ وثلاثون نفسًا ما بين ذكر وأنثى، رضي الله عنهم أجمعين.
والمكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، رضي الله عنهم أجمعين.
قال أبو محمد بن حزم:"يمكن أن يُجْمَع من فتاوى كل واحد منهم سَفْرٌ ضخم".
وقد جمع الإمام أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين المأمون ـ وكان أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث ـ فتاوى ابن عباس في عشرين كتابًا.
فأمَّا أبو حفص عمر بن الخطاب، فهو الذي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط، إلا سلك فجًّا غير فجِّك".
ومن كلام ابن مسعود يوم مات عمر:"إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم". وقال:"لو أن علم عمر وُضِعَ في كِفَّة الميزان ووُضِعَ عِلم أهل الأرض في كِفَّة لَرَجَح علم عمر".
وقال سعيد بن المسيب:"ما أعلم أحدًا بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلم من عمر".
وقال الشعبي:"إذا اختلف الناس في شيء فخُذُوا بما قال عمر".
وقال عليه الصلاة والسلام:"لقد كان فيمَن قَبْلَكم مِن الأمم مُحَدَّثُون (مُلهَمون) ، فإنْ يَكُنْ في أمتي أحد، فإنه عمر".
ولقد استُشهد وهو في الصلاة لِسِتٍّ بَقِينَ من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين هجرية ودفن في الحجرة الشريفة عند النبي، صلى الله عليه وسلم.