رُوي عن عبد الرحمن بن أبي ليلي ـ وهو من كبار التابعين ـ أنه قال:"أَدْرَكْتُ عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما منهم رجل يُسْأَل عن شيء إلا وَدَّ أنَّ أخاه كفاه، ولا يُحَدِّث حديثًا إلا وَدَّ أنَّ أخاه كفاه". بل كان من السلف من يخاف من الإفتاء ويَنْدَم لصدوره منه.. قال سُحْنُون يومًا:"إنا لله، ما أَشْقى المفتي والحاكم، ها أنا ذا يُتعلَّمُ مني ما تُضْرَب به الرقاب وتؤخذ به الحقوق، أمَا كنت عن هذا غَنِيًّا؟".
وكيف لا وقد وَرَدَ في سنن أبي داود من حديث مسلم بن يسار قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَن قال عَلَيَّ ما لم أقل فليتبوأ بيتًا في جهنم، ومن أُفْتِيَ بغير عِلْم فعَمِلَ بفتواه كان إثمه على مَنْ أَفْتَاه، ومَن أشار على أَخِيه بأمر يَعْلم الرُّشْد في غيره فقد خَانَه".
وعن علي، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَفْتَى بغير علم لعنته ملائكة السموات والأرض".
وقد عَرَفَ المُفْتُون في الصدر الأول خطورة هذا المنصب، وأنه المنصب الذي تَوَلَّاه الله تعالى بنفسه، فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ) . وقال تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلَالَةِ) فقاموا بحقه على غاية من الحذر والخوف من الله، تعالى.
وعَرَفوا أن أول مَن قام في الإسلام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين محمد بن عبد الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فكان يُفتي عن الله، تعالى، بوحيه وكانت فتاويه هي الحجة وفصل الخطاب، وهي في وجوب اتباعها والتحاكم إليها ثانية الكتاب. وليس لأحد من المسلمين: العدول عنها ما وجد إليها سبيلًا فعرفوا أنهم خلفاء أكرم الرسل في التبليغ عن الله تعالى وهداية الخلق إلى الحق والعلم والهدى والنور.