الحديث الذي سمعتم فيه عدة فوائد من فوائده: أن المعتكف يجوز له أن يخرج من مكان اعتكافه للحاجة , والحاجة في هذا والحديث ظاهرة وهي أنه عليه الصلاة والسلام قام مع زوجه صفية ليقلبها إلى المنزل وكان في ليل , وخروج المرأة في ذلك الوقت منفردة غير مأمون في الجملة فقام معها وليها ليقلبها إلى بيتها وهذا من الحاجات الجائزة , ومن فوائده أنه عليه الصلاة والسلام بادر بإزالة الشبهة لأجل ألا يقع شيء في القلب مع أنه عليه الصلاة والسلام أحب للمرء المسلم من نفسه وأهله وماله , لكن قد يقذف الشيطان في القلب شيء فهو عليه الصلاة والسلام أخبر الرجلين بأنها صفية حتى لا يقع أو حتى لا يُقع الشيطان في قلوبهما شكًا أو ريبا.
وهذا يدل على أن المشروع للمرء أن ينزه عرضه بالقول والعمل وأن يسعى في ذلك وأن يبرأ نفسه مما قد يقال لكن هذا مع قوة أو قوة ورود الشبهة على نفوس الناس , أما إذا كان ذلك ضعيفًا فإنما قد يتوهم المرء أنه سيقول الناس شيئًا ويكون توهمه غير صحيح فما كان من جهة تبرأت العرض وتنزيه النفس فإن السعي في ذلك مطلوب حتى يسلم إخوانه من الإثم من جهة الظن السيئ ومن جهة تسلط الشيطان بالظنون على قلوب المؤمنين ومن جهة برأت عرضه حتى لا يظن به سوء والنبي عليه الصلاة والسلام شرع لأمته ذلك
وقوله عليه الصلاة والسلام هنا: (( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) )أخذ بظاهره عدد من أهل العلم وقالوا إن القرين قرين الإنسان من الجن يجري معه مجرى الدم بخلاف الملك , فالملائكة التي تصاحبه تكون من خارج والقرين يكون معه من داخل , وهذا بخلاف حالة التلبس , وقال آخرون من أهل العلم ليس هذا هو المراد وإنما المراد أن الشيطان يستحكم أثره على ابن آدم حتى يكون أثره في جريانه إيراده للشبهات مجرى الدم فيجري معه حتى يوقعه في الشبهة أو في الشك كما يبلغ الدم من