ورجا الأخيطلُ من سفاهةِ رأيِه مالم يكن وأبٌ له لينالا [1]
وقد قاس هؤلاء عطف الضمير المرفوع المتصل على الضمير المنصوب المتصل، كما قاسوه على البدل [2] ، وردَّ البصريون هذا الذي احتج به الكوفيون، فجعلوا الواو في آية النجم للحال لا للعطف، وأما الحديثان فلا حجة فيهما؛ لأنهما مرويان بالمعنى، وأما ما حكاه سيبويه فهو من الشاذ الذي لا يؤخذ به، ولا يقاس عليه، وكذلك الشواهد الشعرية تحمل على الضرورة [3] .
ورد البصريون - أيضًا - بأن بين الضمير المرفوع المتصل، والمنصوب المتصل فرقًا؛ لأن الضمير المنصوب على نية الانفصال؛ لكونه فضلة، بخلاف المرفوع فإنه متصل لفظًا ومعنى، وأما القياس على البدل فإن الثاني في العطف غير الأول غالبًا، بخلاف البدل؛ فإن الثاني فيهما هو الأول غالبًا [4] .
وأرى أن هذا منهم تعسف وتكلف لا داعي له، فإن الشواهد صريحة في جواز ما منعه البصريون والجريري دون فصل بين العاطف والمعطوف، ولئن كان الكثير في الكلام ألا يعطف على الضمير المرفوع إلا بعد توكيده بضمير منفصل أو بشيء يفصل بينهما، فإن هذا لا يمنع أن يأتي في الاختيار من غير تأكيد أو فصل، وقد جاء ذلك عن العرب. وادعاء قصرها على الضرورة فيه غير جائز؛ لأنها دعوى بلا دليل.
8 -جواز حذف همزة الاستفهام لدلالة (أم) عليها
لا يجوز حذف همزة الاستفهام إذا لم يكن بعدها (أم) ، وهي عند سيبويه من الضرورات الشعرية، ومنه قول امرئ القيس:
أحارِ ترى برقًا أُريك وميضَه كلمعِ اليدين في حَبِيٍّ مُكلَّل [5]
وكقول عمر بن أبي ربيعة:
(1) البيت من الكامل، لجرير في هجاء الأخطل، انظر: الجليس 2/ 63، والإنصاف 2/ 476، والمقرب 1/ 234، وشرح التسهيل 3/ 374، وشرح الكافية الشافية 4/ 1245، وأوضح المسالك 3/ 390، والهمع 3/ 188، وشرح الأشموني 3/ 114، ويروى مكان (رأيه) : (نفسه) .
(2) انظر: الإنصاف 2/ 477، وحاشية الصبان 3/ 87.
(3) انظر: الإنصاف 2/ 477، والمتبع في شرح اللمع 2/ 441، وشرح ابن عصفور 1/ 242 - 243.
(4) انظر: شرح ابن يعيش 3/ 77.
(5) البيت من الطويل، انظر: ديوانه 24، والكتاب 2/ 252، والمقتضب 4/ 334، والجليس 3/ 219، والخصائص 1/ 69، والإنصاف 2/ 284، وشرح ابن يعيش 9/ 89، ومصابيح المغاني 16. ويروى: (أَصَاحِ) بدل (أحارِ) . والشاهد في قوله: (ترى برقًا) حيث حذف همزة الاستفهام للضرورة الشعرية، والتقدير: (أترى؟) ، وقوله: (وميضه) معناه: بريقه كحركة اليد، وقوله: (كلمع اليدين) أي: كحركة اليدين، (في حبيٍّ) وهو ما حبا لك من السحاب، أي: ارتفع. و (المكلَّل) : الذي بعضه على بعض، انظر: شرح القصائد السبع الطوال 100.