ومنه قوله تعالى: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} [الأنعام 146] يقول الإربلي: (وهي بمعنى الواو) سواء عُطِفَ على (الشحوم) أو (الظهور) " [1] ، ومن أحسن الشواهد على ذلك عند ابن مالك [2] قوله صلى الله عليه وسلم: (اسكُنْ، فما عليك إلا نبي أو صِدِّيقٌ أو شهيد) [3] . ومن ذلك: قول حميد بن ثور:"
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ما بين مُلْجمِ مُهْرِه أو سافعِ [4]
ومنه قول الشاعر:
فلو كان البكاء يَرُدُّ شيئًا بكيتُ على بُجَيرٍ أو عفاقِ
على المرأين إذْ مضيا جميعًا لشأنهما بشجو واشتياق [5]
المعنى: (على بجير وعفاق) ، واستدلوا على هذا بقوله: (على المرأين) ، فأبدل اثنين من اثنين [6] .
المذهب الثاني: مذهب جمهور البصريين أن (أو) لا تكون بمعنى الواو [7] ؛ لأن الأصل في (أو) أن تكون لأحد الشيئين، بخلاف الواو التي معناها الجمع بين الشيئين، والأصل في كل حرف ألا يدل إلى على ما وضع له، ولا يدل على معنى حرف آخر.
واختار هذا المذهبَ أبو الفرج الجريري، وردَّ ما ذهب إليه الكوفيون، فيقول: وإنما أوقع الذين زعموا أن (أو) تكون بمعنى (الواو) فيما ذهبوا إليه من خلاف القياس المميز بين الألفاظ المختلفة المعاني في أصولها وإن تقاربت في بعض وجوهها: وجودُهم ألفاظًا اشتبهت عليهم لتقاربها، فخلطوا بعضها ببعض، ولم ينعموا النظر فيها فيحصِّلوا تمييزها ويقفوا على ما يختص به كل نوع منها، ويتبينوا أوجه تقاربها وعلة اشتراكها وتداخلها، وذلك كقولهم: (اجلس في السوق أو المسجد) ، و (جالسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين) ، و (خالط الفقهاءَ أو النحويين) ، و (كُلِ اللحمَ أو الشحم والتمر أو الزبيب والرطب أو العنب) .
(1) انظر: جواهر الأدب 262.
(2) انظر: شرح التسهيل 3/ 364، وشواهد التوضيح 113.
(3) رواه البخاري في صحيحه في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حديث (3686) ،وهو فيه بلفظ (اسكن أحد) .
(4) البيت من الكامل لحميد بن ثور، وذكره محققه في المنسوب إليه ص304، وينسب إلى عمرو بن معدي كرب، انظر: الكشاف 4/ 146، وشرح الكافية الشافية 3/ 1222، وشرح التسهيل 3/ 364، وجواهر الأدب 262، والتصريح 3/ 597، وشرح الأشموني 3/ 82، وشرح أبيات المغني 2/ 51.
(5) البيتان من الوافر لمتمم بن نويرة، انظر: ديوانه 124، ومعاني القرآن للأخفش 1/ 186، والأضداد لابن الأنباري 280، والجليس الصالح 4/ 175، والأزهية 122، وأمالي ابن الشجري 3/ 76.
(6) انظر: الجليس 4/ 176، وأمالي بن الشجري 3/ 76. وهناك شواهد أخرى، انظرها في: المغنى 1/ 405 - 416، وأمالي ابن الشجري 3/ 73 - 78، وشرح التسهيل 3/ 364.
(7) انظر: الكتاب 3/ 184، والمقتضب 3/ 304، والأصول 2/ 55 - 56، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 495، ومعاني الحروف 79، والخصائص 2/ 461، وأمالي ابن الشجري 3/ 78، والإنصاف 2/ 480 - 481، ورصف المباني 33.