أيها الإخوة: إن الشعور بالإحباط والهزيمة النفسية أسوء مراحل الهزيمة، كم من جيش هزم في المعركة العسكرية لكنه قلب هزيمته نصرًا، لأن نفوس أبنائه ما زالت مستعلية منتصرة.
وعليه فلا بد لنا في حديثنا ومجالسنا وكتاباتنا وأدبياتنا بل وحتى حديثنا مع أنفسنا ومع أبنائنا أن يكون لنا إيمان عميق بهذه الانتصارات التي حققناها وما زلنا نحققها، وبعد هذه الإيمان بها لا بد من إبرازها للعيان.
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد:
أيها المؤمنون: الحديث حول بشائر النصر يطول، وحتى لا تأخذني نشوة هذه الانتصارات والحديث عنها فأتجاوز حدود الوقت، سأقتصر على واحد فقط من بشائر هذا النصر من خلال هذه الانتفاضة المباركة
أمة الإسلام: وحتى لا يكون الكلام مجرد حماس أجوف ليس له رصيد من الواقع، أو لا يكون من قبيل قلب الحقائق أو تزوير التاريخ، فإني سأحاول إبراز الأدلة الواقعية على كل سيأتي:
أولًا: حب الموت، واسترخاص الدنيا، والاستعلاء على خور النفس، و تحطيم رهبة العدو في النفوس.
أيها الإخوة، إن حب الدنيا وكراهية الموت، هي من أهم أساب هزيمة أي أمة من الأمم، وهي سبب هزيمة الأمة المسلمة في كثير من عصورها.
قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم كما في حديث الإمام أحمد وأبي داود عن ثوبان رضي الله عنه: (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله ! فمن قلة يومئذ؟ قال: لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت ) ) (1) [1] .
لقد انتصر الفلسطينيون على حب الدنيا وكراهية الموت، وهذه نقلة كبيرة في حياتهم، تجعلهم يطرقون أبواب النصر بإذن الله.
الشواهد على استعلاء الفلسطينين على حب الدنيا وكراهيتهم للموت، بل الشواهد على حبهم للموت أصبحت أكثر من أن تحصى.
في مثل هذه الأيام أي قبل ثلاث وخمسين سنة، وفي هذا الشهر، الذي سموه شهر النكبة، كانت قوات العدو تمارس أبشع المجازر وأفظعها، وتتلذذ بقتل الرجال والنساء على حد سواء، مما ذكرنا بعض صوره في مذبحة دير ياسين، لكني هنا أذكر شواهد أخرى لم يعرفها إلا القليل من الناس.