وقال تعالى:* قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ* (14) سورة التوبة
إن تاريخ المشركين مع المسلمين كله نكث للأيمان , ونقض للعهود . وأقرب ما كان من هذا نقضهم لعهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية . ولقد قبل - صلى الله عليه وسلم - من شروطهم - بإلهام من ربه وهداية - ما حسبه بعض أفاضل أصحابه قبولا للدنية !
ووفى لهم بعهده أدق ما يكون الوفاء وأسماه . ولكنهم هم لم يفوا , وخاسوا بالعهد بعد عامين اثنين , عند أول فرصة سنحت . .
كما أن المشركين هم الذين هموا بإخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل في مكة ; وبيتوا أمرهم في النهاية على قتله قبل الهجرة . وكان هذا في بيت الله الحرام الذي يأمن فيه القاتل منهم على دمه وماله ; حتى لكان الواحد يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الحرم فلا يمسه بسوء . أما محمد رسول الله , الداعي إلى الهدى والإيمان وعبادة الله وحده , فلم يرعوا معه هذه الخصلة ; وهموا بإخراجه ; ثم تآمروا على حياته ; وبيتوا قتله في بيت الله الحرام , بلا تحرج ولا تذمم مما يتحرجون منه ويتذممون مع أصحاب الثارات ! . .
كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال المسلمين وحربهم في المدينة . فهم الذين أصروا - بقيادة أبي جهل - على ملاقاة المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها ; ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق . ثم جمعوا لهم في حنين كذلك . . وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة ; وكلها تنم عن الإصرار الذي يصفه قول الله تعالى:
(ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) كما تنم عن طبيعة العلاقة بين المعسكر الذي يعبد آلهة من دون الله تجاه المعسكر الذي لا يعبد إلا الله . .
وحين يستعرض السياق هذا الشريط الطويل من الذكريات والمواقف والأحداث , في هذه اللمسات السريعة العميقة الإيقاع في قلوب المسلمين , يخاطبهم: (أتخشونهم ?) . .
فإنهم لا يقعدون عن قتال المشركين هؤلاء إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب !
ويعقب على السؤال بما هو أشد استجاشة للقلوب من السؤال: (فالله أحق أن تخشوه , إن كنتم مؤمنين) . .
إن المؤمن لا يخشى أحدا من العبيد . فالمؤمن لا يخشى إلا الله . فإذا كانوا يخشون المشركين فالله أحق بالخشية , وأولى بالمخافة ; وما يجوز أن يكون لغيره في قلوب المؤمنين مكان !
وإن مشاعر المؤمنين لتثور ; وهي تستجاش بتلك الذكريات والوقائع والأحداث . .
وهم يذكرون بتآمر المشركين على نبيهم - صلى الله عليه وسلم - . .