فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 2003

وإذا كان هذا حال أهل الأديان المنزلة , وأتباع الرسل - صلوات الله عليهم - فحال أولئك الذين لا يتبعون رسولا ولا يؤمنون بكتاب أضل وأعمى .

ومن ثم كانت البشرية في حاجة إلى قيادة راشدة , تنقذها من تلك الجاهلية العمياء التي كانت تخوض فيها . وتأخذ بيدها إلى العروة الوثقى ; وتقود خطاها في الطريق الواصل إلى الله ربها ورب هذا الوجود جميعا .

ونزل الله الكتاب على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - قرآنًا عربيًا , لينذر أم القرى ومن حولها ; وشرع فيه ما وصى به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى , ليصل بين حلقات الدعوة منذ فجر التاريخ , ويوحد نهجها وطريقها وغايتها ; ويقيم بها الجماعة المسلمة التي تهيمن وتقود ; وتحقق في الأرض وجود هذه الدعوة كما أرادها الله , وفي الصورة التي يرتضيها .

وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها . ومع أن هذه الآيات مكية , نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة , فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة: (وأمرهم شورى بينهم) . .

مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظامًا سياسيًا للدولة , فهو طابع اساسي للجماعة كلها , يقوم عليه أمرها كجماعة , ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة , بوصفها إفرازًا طبيعيًا للجماعة . كذلك نجد من صفة هذه الجماعة: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) . .

مع أن الأمر الذي كان صادرًا للمسلمين في مكة هو أن يصبروا وألا يردوا العدوان بالعدوان ; إلى أن صدر لهم أمر آخر بعد الهجرة وأذن لهم في القتال . وقيل لهم: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) . وذكر هذه الصفةهنا في آيات مكية بصدد تصوير طابع الجماعة المسلمة يوحي بأن صفة الانتصار من البغي صفة أساسية ثابتة ; وأن الأمر الأول بالكف والصبر كان أمرًا استثنائيًا لظروف معينة . وأنه لما كان المقام هنا مقام عرض الصفات الأساسية للجماعة المسلمة ذكر منها هذه الصفة الأساسية الثابتة , ولو أن الآيات مكية , ولم يكن قد أذن لهم بعد في الانتصار من العدوان .

وذكر هذه الصفات المميزة لطابع الجماعة المسلمة , المختارة لقيادة البشرية وإخراجها من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام . ذكرها في سورة مكية وقبل أن تكون القيادة العملية في يدها فعلا , جدير بالتأمل . فهي الصفات التي يجب ان تقوم أولا , وأن تتحقق في الجماعة لكي تصبح بها صالحة للقيادة العملية . ومن ثم ينبغي أن نتدبرها طويلا . . ما هي ?

ما حقيقتها ? وما قيمتها في حياة البشرية جميعًا ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت