فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 2003

إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به أن المطلوب منه هو الدينونة لله وحده في أمره كله ; وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في كل أمره . . ولقد فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"العبادة"نصا بأنها هي"الاتباع"وليست هي الشعائر التعبدية . وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا:"بلى . إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال . فاتبعوهم . فذلك عبادتهم إياهم". .

إنما أطلقت لفظة"العبادة"على"الشعائر التعبدية"باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون . . صورة لا تستغرق مدلول"العبادة"بل إنها تجيء بالتبعية لا بالأصالة !

فلما بهت مدلول"الدين"ومدلول"العبادة"في نفوس الناس صاروا يفهمون أن عبادة غير الله التي يخرج بها الناس من الإسلام إلى الجاهلية هي فقط تقديم الشعائر التعبدية لغير الله , كتقديمها للأصنام والأوثان مثلا !

وأنه متى تجنب الإنسان هذه الصورة فقد بعد عن الشرك والجاهلية وأصبح"مسلما"لا يجوز تكفيره !

وتمتع بكل ما يتمتع به المسلم في المجتمع المسلم من صيانة دمه وعرضه وماله . . .

إلى آخر حقوق المسلم على المسلم !

وهذا وهم باطل , وانحسار وانكماش , بل تبديل وتغيير في مدلول لفظ"العبادة"التي يدخل بها المسلم في الإسلام أو يخرج منه - وهذا المدلول هو الدينونة الكاملة لله في كل شأن ورفض الدينونة لغير الله في كل شأن . وهو المدلول الذي تفيده اللفظة في أصل اللغة , والذي نص عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نصا وهو يفسر قول الله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) .

وليس بعد تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمصطلح من المصطلحات قول لقائل .

هذه الحقيقة هي التي قررناها كثيرا في هذه الظلال وفي غيرها في كل ما وفقنا الله لكتابته حول هذا الدين وطبيعته ومنهجه الحركي . .

فالآن نجد في قصة هود كما تعرضها هذه السورة لمحة تحدد موضوع القضية ومحور المعركة التي كانت بين هود وقومه ; وبين الإسلام الذي جاء به والجاهلية التي كانوا عليها ; وتحدد ما الذي كان يعنيه وهو يقول لهم: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . .

إنه لم يكن يعني:يا قوم لا تتقدموا بالشعائر التعبدية لغير الله !

كما يتصور الذين انحسر مدلول"العبادة" (1) يراجع البحث القيم الذي كتبه المسلم العظيم الاستاذ السيد أبوالاعلي المودودي أمير الجماعة الاسلامية بباكستان بعنوان:"المصطلحات الاربعة في القران". ."الاله . الرب . الدين . العبادةفي مفهوماتهم , وانزوى داخل إطار الشعائر التعبدية ! إنما كان يعني الدينونة لله وحده في منهج الحياة كلها ; ونبذ الدينونة والطاعة لأحد من الطواغيت في شؤون الحياة كلها . . والفعلة التي من أجلها استحق قوم هود الهلاك واللعنة في الدنيا والآخرة لم تكن هي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت