أمة الإسلام في قلب هذه الأزمة، ومع هذه الهزيمة الشنيعة التي حلت ببلد من بلاد المسلمين، قد تتسائل الجموع المسلمة بعد أن أحرق قلبها ما شاهدته مقل أعينها في عاصمة الإسلام لخمسة قرون من الزمن، تتسائل هذه الجموع المؤمنة، وهل انقضى كل شيء، أم هل اننتهى دورنا، وحتى نقدم بإجابة متزنة بعيدة عن أمل مفرط، ويأس محبط، لا بد لنا من أدراك أمور:
الأمر الأول: لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين
عباد الله: إن الهزائم العسكرية المادية التي جرت على الأمة لم تكن يوما من الأيام إيذانا بفنائها، ولا علامة على قرب زوالها، بل كانت تلك الهزائم تحمل في طياتها بذور النصر، وشعاعات الأمل
بغداد لا تهني فالله منتصرٌ *** لأمة الحق إن آبوا وإن عادوا
بغداد فلتقرأي التاريخ إن به *** أخبار من قبلنا فيهن أشهادُ
فرعون حاصر موسى من تغطرسه *** فأغرق الله من عن دينِهِ حادوا
حادوا ، فبادوا وكان الله منتصرا ً *** لجنده وبفضل الله قد سادوا
بغداد كل قوى الكفار فانيةٌ *** كما فنى قوم نوحٍ أو فنت عادُ
لم يحدث في تاريخ المسلمين كله أن هزم المسلمون هزيمة عسكرية في ناحية من النواحي، أعقبها اجتياح عام لكل بلاد المسلمين، وتلا ذلك ظهور دائم للكافرين على المسلمين في الأقطار كلها.
ولم يحدث في تاريخنا كله أن هزيمة حلت بنا، قصمت ظهورنا فلم تقم لنا بعد ذلك قائمة، لم يحدث هذا ولن يحدث هذا أبدا.
روى مسلم في صحيحه عن ثوبان رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها، و إن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، و إني أعطيت الكنزين الأحمر و الأبيض، و إني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكوا بسنة عامة و لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم،
و إن ربي عز و جل قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد و إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، و أن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم و لو اجتمع عليهم من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يفني بعضا، و إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين
ثم قال صلى الله عليه وسلم (و لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) ( [1] ) .
إن المتأمل يا أمة الإسلام في تاريخنا الطويل الممتد أربعة عشر قرنا يكاد يلحظ أن كثيرا من هذه المصائب العسكرية التي تصيب الأمة، وما يصاحبها من سفك وقتل وتعذيب وتشريد، تبث فيها الحياة من جديد، أو توقظها من غفلة رانت عليها، أو تدغدغ فيها خلايا النشاط النائمة.