قلت: قولُ ابنِ حَجَرٍ: لأنَّ ميمونةَ أتتهُ بعد وضوئه. ليس بصحيح؛ فإن إتيانَ ميمونةَ المنديلَ وردَّهُ رسول اللهِ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم إنَّما كان بعدَ الغُسْلِ كما سيجيء ذِكره (1) .
ونسبةُ تصريحِ استحبابِ التَّمسحِ بعد الوضوءِ بالمِنديلِ إلى صاحبِ (( المُنْيَة ) )كما صدرتْ عن صاحبِ (( المِرقاةِ ) )غير مطابقةٍ للواقع، فإنَّ المُصَرَّحَ في (( المُنْيَة ) ) (2) : إنَّما هو الاستحبابُ بعد الغُسْلِ لا بعد الوضوءِ، فإنَّهُ قال في (بحثِ مندوباتِ الغُسْلِ) : وأن يَمْسَحَ بدنَهُ بمنديلٍ بعد الغُسْلِ. انتهى.
وأين هذا من ذاك، والعجبُ من شارح (( المُنْيَة ) )العلامة إِبراهيم الحلبيّ (3) حيثُ علَّلَ الاستحبابَ بقولِهِ في (( غُنْيَة المستملِّي ) ): لما روتْ
عائشة، قالتْ: (( كانت لرسولِ اللهِ خرقةً يُنَشِّفُ بها الوضوء ) ) (4) .
رواهُ التِّرْمِذيُّ وهو ضعيف، ولكن يجوزُ العملُ بالضَّعيف. انتهى (5) .
وجهُ العَجَبِ ظاهر؛ فإنَّ الرِّواية إنما تدلُّ على جوازِ التَّنشيفِ بعد الوضوءِ، والمدَّعَ غيره، على أنَّ غايةَ ما يثبتُ بها هو الجوازُ الذي عبَّروه بقولهم: لا بأسَ به لا الاستحباب؛ لاحتمالِ أن يكونَ لعذرٍ، أو لبيانِ الجوازِ كما لا يخفى.
(1) ص27).
(2) مُنْيَة المصلي وغنية المبتدي )) (ص15) .
(3) وهو إبراهيم بن محمَّد بنِ إبراهيم الحَلَبي، الإمام والخطيب بجامع السُّلطان مُحَمَّد خان بقسطنطينية، من مؤلفاته: (( ملتقى الأبحر ) )، و (( غنية المستملي ) )قال اللكنوي: ما أبقى شيئًا من مسائل الصلاة إلا أورده فيه مع ما فيه من الخلافيات على أحسن الوجوه. وله مختصر (( للغنية ) )مشهور بـ (( حلبي صغير ) )، (ت956هـ) . ينظر: (( الشقائق ) ) (ص295) ، (( طرب الأماثل ) ) (ص443) .
(4) سبق تخريجه (ص22) .
(5) من (( غنية المستملي شرح منية المصلي ) ) (ص52) .