الصفحة 941 من 1412

جميع الشرائع السماوية من مصدر واحد، وهذه حقيقة قائمة تركِّز عليها آيات القرآن الكريم لتثبت وحدة الهدف بين أنبياء الله جميعًا، وبين ما جاؤوا به من الكتب السماوية، فهي جميعها تُسقى من معين واحد، وتتفرَّع من شجرة واحدة. لذلك نجد أن الحقائق المطلقة الَّتي لا يعتريها تغيير أو تبديل تتكرَّر في كتب الله كلِّها، وهذه واحدة من تلك الحقائق المبثوثة في كتب الله الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن، والَّتي ترفع قيمة الإنسان إلى المكانة الَّتي رشَّحه الله لها وهي التكريم والتفضيل على سائر المخلوقات، فالنفس من صنع الله، والروح من أمره، والمال ماله، وهو وحده المعطي، ومع ذلك فإنه يكافئ من ينفق في سبيله بأجزل العطاء، إنه كَرَمُ الله وجودُهُ الَّذي ليس له حدود.

وفي مسيرة التبليغ كانت هناك دائمًا طائفة من الناس استطاعت بقوَّة إرادتها، وتصعيد رغباتها، أن تتحرَّر من أسر الجسد، ومن رِبْقة المادَّة، فتكشَّفت لأرواحها بعض اللطائف الربَّانية، فأدركت عظمة الوجود، فانصرفت بكيانها كلِّه إلى مرضاة الخالق المعبود. هؤلاء الناس الَّذين صفت قلوبهم، وتطهَّرت نفوسهم، باعوا أرواحهم وأموالهم لله تعالى لا يبغون سوى مرضاته، ولا يتحرَّون إلا صالح العمل وقول الحقِّ مع الإخلاص فيهما، ويؤثرون ما عند الله من نعيم دائم على عرض الدنيا وزخرفها.

وكم كان البَوْن شاسعًا بين من باع نفسه ابتغاء مرضاة الله، وبين من باع إيمانه ابتغاء أهوائه وغرائزه. والله سبحانه وتعالى يشتري من المؤمنين أموالهم وأنفسهم وهي ملك له، بما لا يُعدُّ ولا يحصى من رحمته وإحسانه وكرمه، ويرفع هممهم فيبذلونها في سبيله لدفع الشرِّ والفساد عن عباده، وتقرير الحقِّ والعدل فيهم، ولولا ذلك لغلب شرُّ المفسدين في الأرض، فلا يبقى فيها صلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت