الصفحة 928 من 1412

فالإيمان هو تنفيذ مراد الله وإيثاره على ما نريد ونهوى، أما الإشراك فهو أن نرغب عن تنفيذ مراد الله ونؤثر ما تريده أنفسنا وأهواؤنا، فنقع في الظلم؛ لأننا أسأنا بهذا الإشراك إلى أنفسنا ونحن نظنُّ أننا نحسن صنعًا، فنتردَّى في مهاوي الضلال، ونعيش في ضياع وتشتُّت وتمزُّق بعد أن قطعنا حبال الصلة الَّتي كانت تربطنا بالله، وبعد أن ضللنا الطريق الَّتي كانت تسلك بنا إلى ينابيع عطائه وإمداده. فأيُّ ظلم أشدُّ من هذا الظلم؟! وأية خسارة أبلغ من هذه الخسارة؟! ولهذا فقد وصف الله لنا الإشراك به على لسان لقمان حين قال لابنه: {..يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بالله إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عظيم} (31 لقمان آية 13) وكذلك قوله تعالى في آية أخرى: {..وقد خابَ من حَمَلَ ظُلْمًا} (20 طه آية 111) (حمل ظلمًا: أي شِركًا وكُفْرًا) .

فالله جلَّ وعلا هو المؤمن والسَّلام، وقد وهب قبسًا من هذه الصفات جميعها لعباده المؤمنين المتَّقين، الَّذين نزَّهوه وعبدوه كما ينبغي لجلاله وكماله، فأفاض عليهم من خيره ما ذكرته الآية الكريمة: {ولِمن خافَ مقامَ ربِّه جَنَّتان} (55 الرحمن آية 46) جنَّة في الأرض وجنَّة في السماء، جنَّة الهدى والرضا في الدنيا، وجنَّة النعيم في الآخرة ومَنْ أصدق من الله قولًا؟.

ولابدَّ لنا أن ننوِّه أن للظلم مظاهر شتَّى يتجلَّى فيها لدى مُدَّعي الإيمان، حيث يصيبه الكِبْر والخُيَلاء والشعور بالفوقية ممَّا يجعله يتحامل على الآخرين بسبب تقصيرهم أو جهلهم. وهذا التحامل هو الظلم بعينه، والمؤمن الحقيقي كلَّما ازداد إيمانًا ازداد رحمة وتواضعًا للآخرين، وبذلك يشعر كلُّ من يلوذ به بالأمن والأمان، والراحة النفسية والاطمئنان.

سورة الحُجُرات (49)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت