وقد نهى الله تعالى المسلمين عن أن يجعلوا شعائر الله (الَّتي كان العرب يتخذونها منذ الجاهليَّة، بما توارثوه من دين إبراهيم الحنيف) حلالًا لهم يتصرَّفون فيها كيف يشاؤون، أو يتهاونون بحرمتها، أو أن يُحِلُّوا الأشهر الحرم، وهي أربعة: رجب (لأداء العمرة) ، وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم (للقيام بشعائر الحج) . وقد كانت العرب تُعظِّم هذه الأشهر وتحرِّم القتال فيها، فمن وُجد في غير هذه الأشهر أصيب منه، إلا أن يكون مشعرًا بَدَنَةً أو بقرة أو مُحرِمًا بعمرة إلى البيت الحرام، فحينئذٍ لا يتعرَّض له أحد. وقد أمر الله تعالى المسلمين بتقرير هذا المعنى، فلا يقاتلون فيها أحدًا ما لم يقع الاعتداء فيها على المسلمين، فإنَّ لهم حينئذٍ أن يردُّوا الاعتداء، وألا يَدَعوا المعتدين يحتمون بالأشهر الحرم ـ وهم لا يرعون حرمتها ـ ويستترون خلفها، للنيل من المسلمين، ثمَّ يذهبون ناجين بعملهم.
ونهى المسلمين كذلك عن أن يُحِلُّوا الهدي الَّذي كان يُهدى من غير المسلمين إلى مَحِلِّه من بيت الله، فلا يجوز لمسلمٍ غَصْبُهُ أو ذَبْحُه أو حَبْسُه، كما يَحْرُمُ عليهم التعرُّض بالقتل أو الصدِّ لكلِّ من قصد بيت الله بالزيارة رغبة في مرضاة الله، وسعيًا وراء الرزق والكسب المادي. فالمسلمون ملزمون بالتعامل مع جميع الناس بالإحسان، وفي كلِّ زمان ومكان، وينبغي عليهم التقيُّد بهذا الالتزام بشكل أخصَّ في بيت الله الحرام، وفي الأشهر الحرم، وبغَضِّ النظر عن العداوة الَّتي قد تكون أحيانًا بينهم وبين بعض الفئات.