الصفحة 311 من 1412

لقد بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منطقة كانت شبه منعزلة حضاريًّا عمَّا يجاورها من إمبراطوريات. فقد وُلِدَ ونشأَ في الحجاز، البلد الَّذي كان منغمسًا في الشرك والوثنية، والمتمسِّك بما يفرضه الولاء للحياة القبليَّة. أمَّا بالنسبة للقراءة والكتابة بوصفها علامات ودلالات على روح الحياة الثقافية، فقد كانت منعدمة نسبيًا في تلك البيئة الَّتي غلب على أفرادها وصف الأمِّية. وكان شخص النبي صلى الله عليه وسلم يمثِّل الحالة الاعتيادية من هذه الناحية، فلم يكن قبل البعثة ولا بعدها يقرأ الكتب، ولم يكن يتلقَّى أي نوع من أنواع التعليم، بالمفهوم الَّذي يفهمه الناس من كلمة علم وتعليم.

وهذا النصُّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وحُجَّة دامغة حتَّى في حقِّ من لا يؤمن بأن القرآن من عند الله. فهو نصٌّ أعلنه النبي صلى الله عليه وسلم على قومه وتحدَّث به إلى أعرف الناس بحياته، فلم يعترض أحد على ما قال؛ لأنه لم يؤْثَر عنه أيُّ مساهمة قبل بعثته بما كان شائعًا في قومه من شعر وخطابة. وقد عاش فيهم أربعين سنة قبل البعثة، دون أن يشعر الناس من حوله بأي شيء يميِّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف، ودون أن تبرز في حياته أيُّ بذور علمية، أو اتجاهات جادَّة نحو عملية التغيير الكبرى، الَّتي طلع بها على العالم فجأة، فجاءهم بأعظم كتاب عرفته البشرية؛ ربَّاني المصدر والتعاليم. وهذه هي صفته في الكتب المتقدمة، كالتوراة والإنجيل حيث ورد فيها: (إن آية نبوَّته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتابًا ولا يخطُّه بيمينه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت