أمَّا قوله تعالى: {..ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ في ظُلُمَاتِ الأرضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ في كِتَابٍ مُبِينٍ} (6 الأنعام آية 59) ، ففيه دعوة لنا لنستكشف ما في البرِّ والبحر وندرك بعضًا من مظاهر عظمة الله تعالى من جهة، ونسبر أغوار الطبيعة من جهة أخرى. فورقة الشجر الَّتي لا قيمة لها في نظر الإنسان والَّتي جفَّت مياه الحياة من عروقها، وكذلك الحبَّة الَّتي دُفنت في عمق التراب واكتنَفَها الظلام، كلُّها إشارات إلى دورة الحياة الَّتي تبدأ من باطن الأرض وتعود إليها، وهذا كلُّه غيب مجهول بالنسبة للعقل الخامل النائم، وعلم للعقل المتفتِّح بنور المعرفة والإدراك. وهكذا فقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم والكتب السماوية من قبله؛ ليتَّخذ الإنسان مساره الصحيح، ويتعرَّف على ما يدور حوله، ويعرف مكانه في هذا الكون البديع، فيصل بذلك إلى معرفة خالقه ومدى إحاطته بمخلوقاته، ويدرك مدى قصور عقله عن الإحاطة الشاملة بعلم الله وشهوده، ويتولَّد في سريرته الإيمان والإقرار بعظمة الخالق، فيشعر بجلاله، ويبقى حيَّ الضمير، فلا يجرؤُ على ارتكاب معصية في السرِّ أو العلن، حياءً من الله العليم الخبير، وإرضاءً لضميره الحي الَّذي وافق الفطرة وصَقَلَتْه تعاليم السماء.
ـ الخالق، البارئ، المصوِّر:
قال تعالى: {هوَ الله الخَالِقُ البَارِئ المُصَوِّرُ..} (59 الحشر آية 24) .
الخالق: هو الموجد الَّذي يَدين له كلُّ ما في الكون بالوجود، وهو خالق الناس جميعًا من ذريَّة آدم عليه السلام الَّذي نفخ فيه من روحه، فكان من نسله كلُّ الناس الَّذين تفرَّقوا في الأرض أجناسًا، وتشعَّبوا عروقًا وألوانًا.
أمَّا البارئ: فهو اسم مرتبط باسم الخالق، لأن الخلق والبرء صفتان متصلتان والفارق بينهما يسير ودقيق. فإذا كان الخَلق هو التصميم والتقدير، فإن البرء هو التنفيذ والإخراج.