والله عزَّ وجل عالم بالظَّاهر والباطن، وعلمه شامل للماضي والحاضر والمستقبل يحيط بجميع الكائنات في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويشمل ما نعلمه وما نجهله؛ وأقرب مثال على شموليَّة علمه يبدو واضحًا في الإنسان نفسه، الَّذي هو من خلق الله، والَّذي استطاع بواسطة عقله أن يصل إلى مستوى رفيع من العلم والخبرة أَهَّله لأن يطلق قمرًا صناعيًا يرصد ما يجري تحت مساره، ويصوِّره بدقَّة شديدة، ثمَّ يعيد إرسال الصور إلى المحطات الأرضية وهي في غاية الوضوح، دون أن يغيب عنه شيء من تفاصيل هذه العملية المعقَّدة. فإذا كان الأمر بالنسبة للإنسان المخلوق ـ على ضعفه ـ كذلك، فما بالك بالنسبة للخالق العظيم الَّذي خلق المجرَّات بأعدادها اللامتناهية؟! فهل يعقل أن يغيب عنه شيء ممَّا خلق؟.
وقد شاءت الحكمة الإلهية، حين أسندت الخلافة في الأرض إلى الإنسان، أن تجعله يكتشف بالتدريج، وحسب تطوُّر علمه وإمكاناته، بعض القوى والطاقات والقوانين الكونية الَّتي تُعينُه على القيام بأعباء خلافته، وتركت الباب أمامه مفتوحًا ليتعلَّم ويدرك المزيد، ويستفيد من ذلك كلِّه في إعمار الأرض وبناء حضارتها الإنسانية العامة. إننا في كلِّ يوم نكتشف شيئًا جديدًا؛ نشعر حياله بالفرح والسرور، ولو كُشف لنا علم كلِّ شيء منذ بدء الخليقة لما كان للحياة أيُّ معنى من معاني التطوُّر والتقدُّم. ومع ذلك فإن قدراتنا بوصفنا بشرًا تنحصر في عالم المادة؛ فلا نستطيع أن نخترق حجب عالم الغيب أو نفقه كنهه، لأنه علم لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب.