لقد كان ذلك السرُّ يكمن في صلاحيَّة البشر للاشتغال بالماديَّات الَّتي لا تقوم الدنيا إلا بها، وذلك لأن المادَّة جزء من أجزاء تركيبهم الخَلْقي، فقد خُلق آدم عليه السلام من تراب، فاختلف بهذه النشأة هو وذريَّته عن الملائكة، وعلى أساس هذا الاختلاف اختلفت الحكمة في خلق كلٍّ منهما. فبعد أن أقيمت الحُجَّة على الملائكة بسعة علم الله، وعظيم حكمته في وضع علمه حيث يشاء، قال تعالى لهم: {أَلَم أقل لكم إنِّي أَعلمُ غيبَ السَّمواتِ والأَرضِ وأَعلمُ ما تُبْدونَ وما كُنتم تَكْتُمون} ، ثمَّ أمرهم وإبليس أن يسجدوا لآدم، سجود تحيَّة وتكريم، واحترام وتقدير، للقدرة الإلهية المودَعَة فيه، لا سجود عبادة وتقديس وتعظيم، فامتثلوا للأمر جميعًا، عدا إبليس ـ وهذا الاسم معناه الآيس البعيد من رحمة الله ــ الَّذي عصى أمره تعالى بالسجود لآدم حسدًا واستكبارًا، واعتدَّ بأصل تكوينه وهو النار، فقال لربِّه متبجحًا ومُغْتَرًّا: {أنا خيرٌ منه خَلَقْتني من نارٍ وخَلَقته من طين} فباء بغضب من الله لارتكابه خطيئتين من أكبر الخطايا، أولاهما: عصيان أمر الله تعالى والإصرار على هذا الذنب، والثانية: التكبُّر والاعتداد بمادة خلقه مقارنة بمادة خلق آدم، جاهلًا بأن مكوِّنات التراب أفضل من تكوين النار، وأنَّ عناصر التراب لا ينجم عنها إلا الخير، وأنَّ في النار قوى مهلكة ومدمِّرة. وأصبح بعصيانه وإصراره مخلوقًا لا يستطيع العمل إلا وفق اتِّجاه واحد وهو الشرُّ المطلق.