خلق الله تعالى الأرض وأودع فيها ما شاء من أسباب الحياة والنعيم، فأبدع خلقها وأحسنه، وكانت الملائكة ـ بتسبيحها وتقديسها لله تعالى ـ ترى لنفسها مكانة خاصَّة عنده، فلما خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، أخبر الملائكة أنه سيجعل من هذا المخلوق خليفة له في الأرض، فتعجَّبوا من أمر استخلافه عليها بعد أن أدركوا ـ بعلم الله ــ ما سيكون عليه حال ذريَّة آدم من فساد في الأرض وسفك للدِّماء، وعلى الرُّغم من معرفتهم وإدراكهم لطبيعة البشر فقد تعذَّر عليهم إدراك الحكمة من خلقهم؛ وهي أن الله تعالى أراد أن يودع الأرض لدى هذا المخلوق الفريد ويملِّكه زمامها، ويطلق يده فيها، ليَكِل إليه من وراء ذلك مهمَّة إظهار إعجازه تعالى في الخلق والإبداع، وكشف ما اختزنته هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كلِّه ـ بإذن من الله ـ في المهمَّة الجليلة الَّتي أولاها الله له، وهي بناء هذه الأرض وعمارتها، وتحقيق إرادة الخالق في تطويرها وترقيتها، قال تعالى: {وإلى ثمودَ أخاهُم صالحًا قال ياقومِ اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيرُهُ هو أنشأكُم من الأرضِ واستعمركُم فيها فاستغفروهُ ثمَّ توبوا إليه إنَّ ربِّي قريبٌ مُجيب} (11 هود آية 61) (استعمركم فيها: أي كلَّفكم بإعمارها) ، و لهذا فقد جاءهم القول الفصل من الله تعالى: {إنِّي أعلمُ ما لا تعلمون} ليضع حدًا لتساؤلاتهم واستفساراتهم.
ويُستشفُّ من سياق هذه الآيات الكريمة أن الله تعالى خلق الجنَّ من نار ثمَّ خلق آدم من طين، ووهبه من العلوم ما لم يهبه لغيره من خلقه، فعلَّمه أسماء الأشياء والأجناس وغيرها ممَّا شاء، وبذلك شرَّفه ورفعه إلى مكانة سامية. وفي هذا تشريفٌ للعلم والعلماء، ورفعٌ لمكانة العابد العالم على العابد الجاهل.