فالإنسان العاقل الموفَّق، هو من يسلك سبيل الهدى بعد أن بيَّنه الله له ورغَّبه فيه، ويجتنب سبيل الضلال الَّذي وضَّحه له وحذَّره منه، ومنحه أوَّلًا وآخرًا حرية الاختيار لأيٍّ من السبيلين شاء، قال تعالى: {إنَّا هَدَيْناه السَّبيل إمَّا شاكرًا وإمَّا كفورًا} (76 الإنسان آية 3) . وقد أخرج أبو داود وابن جرير والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {..لِيَبلُوَكم أيُّكُم أحسنُ عملًا..} (67 الملك آية 2) فقلت ما معنى ذلك يارسول الله؟ قال: ليبلوكم أيُّكم أحسن عقلًا. ثمَّ قال: وأحسنكم عقلًا أورعكم عن محارم الله، وأعلمكم بطاعة الله» .
فمن خلال هذه الآيات وما سبقها يتبيَّن لنا أن الله تعالى قد خلق الناس وأوجدهم ليمتحنهم ويختبرهم أيُّهم أخلص عبوديَّة له، وأحسن عملًا لنفسه، مع علمه الأزلي بما هو كائن وبما سيكون منهم.
وهنا قد نجد من يقول: لماذا الاختبار، ولماذا الثواب والعقاب والنتيجة معروفة لله تعالى مسبقًا؟ والجواب: أن الاختبار مرتبط بعلم الله الأزلي بما هو كائن وبما سيكون، وإن عقل الإنسان وسلوكه هما نواة الاختبار ومادته، فلا عمل دون قرار وإرادة من الإنسان، ولذلك فلا حساب على من فَقَدَ عقله. ولولا وجود ذلك الاختبار، وظهور نتيجته، لساء العبدَ أن يُحكَم سلفًا دون أن يُبتلى ويُختَبَر.
ولكن حكمة الله تعالى قضت بالامتحان والابتلاء سدًّا لهذه الذَّريعة على العصاة والكافرين، إنه هو العليم الحكيم سبحانه وتعالى عن الظلم علوًَّا كبيرًا.