حاصل الأمر في الرقية وما يدفع به المس، وما يتحصن به العبد مما تقدم يتلخص أن مما يدفع به المس وكيد الشيطان، وما يتحصن به العبد، هو على وجه الإجمال: تقوى الله -سبحانه وتعالى-، وحسن التوكل عليه، ثم الإكثار من ذكر الله -عز وجل-، والالتجاء إليه، والاعتصام به، والتعوذ به-كذلك- من الشيطان الرجيم، والمحافظة على الوضوء والصلاة فرضًا ونفلًا، والمحافظة على الأذكار الموظفة، كأذكار الصباح والمساء، والدخول والخروج، والسور والآيات، وسائر الأذكار، فإن في هذا الشفاء كل الشفاء، وإن طال الأمد واشتد البلاء.
وهذا مزيد مما ورد في الرقية من صحيح الأخبار ومحكم الآيات. العلاج بدعاء الله عز وجل فإن أمر الشفاء كله بيديه، ومن ثم قال الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ( وإذا مرضت فهو يشفين( [ الشعراء: 80] .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى المريض يدعو له.. قال:"أذهب البأس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا"، وفي رواية أبي بكر: فدعا له، وقال:"وأنت الشافي".
صحيح (خ،م)
وقال الله تبارك وتعالى: (وإن يمسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو(. [يونس:107] .
وقال الله تبارك وتعالى: ( قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ) [ الزمر:38] .
وقال تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) [ غافر: 60] .
وقال سبحانه: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) [ البقرة:186] .
وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إني أصرع ،وإني أتكشف، فادع الله لي، قال:"إن شئت صبرت ولك الجنة (1) ، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" (2) . قالت: أصبر.. قالت: فإني أتكشف, فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها.
صحيح (خ،م)
(1) فيه عزاء وتسلية للمبتلى، الذي طال سقمه وبلاؤه، فقد يطول البلاء بشخص، والله سبحانه وتعالى يدخر له الأجر، وجميل الثواب..
(2) قال الحافظ بن حجر -رحمه الله تعالى-"فتح الباري": وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله، أنجح وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك، وانفعال البدن عنه، أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجح بأمرين:
أحدهما: من جهة العليل، وهو صدق القصد.
والآخر: من جهة المداوي، وهو قوة توجهه، وقوة قلبه، بالتقوى والتوكل على الله، والله أعلم.