وما شأنه في هذا إلا شأن أهل البدع والباطل، الذين أخذوا من نصوص الكتاب والسنة ما يوافق أهواءهم وأعرضوا عما يبين ذلك من النصوص ويوضحه، كما قال الله جل في علاه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } (آل عمران) .
وهل صنيع الحميدي هنا إلا من جنس صنيع من في قلوبهم زيغ ومرض، الذين يذهبون إلى ما تشابه من آي الكتاب فيحرفونها إلى مقاصدهم لاحتمالها واشتباهها إضلالًا للناس، ويتركون المحكمات الواضحات التي تدحض ضلالهم وتزهق باطلهم.
بل قد ازداد عليهم وأربى، فما ترك المحكم الصريح وأعرض عنه -حديث عبادة-، بل حرَّف فيه وأفسد معناه، حتى أهدره وألغاه ..
ثم جاء إلى حديثي أم سلمة وعوف بن مالك رضي الله عنهما، فحمَّل باطله وضلاله عليهما استغلالًا لما فيهما من الاحتمال والاشتباه ..
وإنما شأن أهل العلم رد المشتبهات المشكلات إلى المحكمات الواضحات البينات، فعكسها الحميدي فانعكس، واقتفى أثر الزائغين فانتكس وارتكس.
ثم بعد هذا يقول عديم الحياء، بأن الشيخ أبا قتادة يفسر الكفر البواح تفسيرًا من قِبل نفسه.
لبستم معنى النصوص وقولنا ... فغدا لكم للحق تلبيسان
من حرف النص الصريح فكيف لا ... يأتي بتحريف على إنسان [1]
وبالجملة فالجواب على استدلاله بهذه القاعدة من ثلاثة وجوه:
الأول: ما قدمناه لك من مسالك أهل العلم في فهم حديثي أم سلمة وعبادة رضي الله عنهما، فيصح إعمال هذه القاعدة حينئذ ولا إشكال.
الثاني: أن هذه القاعدة لا يصح إعمالها على حديثي أم سلمة وعوف بن مالك، إلا بعد جمع كل ما ورد في الباب من النصوص، وحمل مجملها على مبينها ومطلقها على مقيدها وعامها على خاصها ومشتبهها على محكمها.
الثالث: أنه مُلزَمٌ بإعمال نفس القاعدة على أحاديث أُخر ورد فيها حكم صادر من النبي صلى الله عليه وسلم معلق بشرط، وهي أحاديث أخفاها وأعرض عن ذكرها لأنها تنقض كلامه كله.
(1) ابن القيم.