فإذا تبين لك ما تقدم مما في كلام الحميدي من الكذب الصراح، والبهتان البواح، فلك أن تتأمل في تناقضه وكذبه أيضًا في هذه العبارة:
قال العلماء فإذا كانت شعائر الإسلام الكبرى التي بني عليها الإسلام وعلى رأسها الصلاة قائمة فالكفر البواح ما حصل.
فهو هنا قد ناقض كلامه الذي جهِد لتقريره وافتراه على الأئمة، من أن ترك الصلاة هو الكفر البواح المقصود في حديث عبادة، ثم جاء هنا فوسع الأمر فجعله (شعائر الإسلام الكبرى) ، إلا أنه عاد مرة أخرى فنقض هذه العبارة وعاد إلى تقريره الأول لكنه أضاف شرطًا إلى ترك الصلاة ليحصل تفسير الكفر البواح فقال:
إلى أن يصل الأمر إلى أن تبطل الصلاة وتُمنع عند ذلك حصل تفسير الكفر البواح.
ولم يثبت على هذا بل أضاف بعد هذا شرطًا آخر فقال:
فإذا الشرط ارتفع أبطلت الصلاة هدمت المساجد أغلقت هنا يصبح الكفر البواح.
فهل رأيت في هذا الباب أفسد من هذا الكلام؟!!
وهل رأيت أبلد وأكذب من قائله؟!!
وهل رأيت عاقلًا أو مجنونًا تفوه بمثله؟!!
فإن لم يكن هذا هو التلاعب بالدين فما ثمَّ بالدين لاعب، وإن لم يكن هذا هو تحريف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس في الدنيا مُحرِّفٌ ولا تحريف، ولعمر الله لقائله حقيق بالنكال، والضربِ على أم رأسه بالجريد والنعال، لتلاعبه هذا ولفرياته على الأئمة الجبال.
وأما قوله: اتفق أهل أصول الفقه وقواعد الاستدلال على أن الحكم الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أمرًا أو نهيًا وعلق بشرط فيقع الحكم بوقوع الشرط ويرتفع الحكم بارتفاع الشرط.
فهذه القاعدة بحمد الله مسلمة عندنا، وتنزيلها على الحديث متفرع عن فهم المسالك الثلاثة التي قدمناها لك من فهم أهل العلم لحديثي أم سلمة وعوف بن مالك رضي الله عنهما، فحينئذ لا إشكال.
فليس النزاع إذًا في هذه القاعدة وإنما في المحل الذي يصح فيه إعمالها، فالحميدي غايته ومرامه الضرب على حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وذلك لوضوحه وصراحته، فصوَّب إليه سهام التحريف ملبسة بلبوس الفهم والتحقيق، فجعله عديم المعنى مشتبهًا بعد أن كان محكمًا بينًا، وخلا له الأمر بحديثي أم سلمة وعوف رضي الله عنهما فنصب عليهما هذه القاعدة، فكان فعله هذا مبتدأً بفساد التأويل منتهيًا إلى الإلغاء والتعطيل.