قال الإمام ابن حبان في مقدمة صحيحه:
وأمّا المدلسون الذين هم ثقات وعدول، فإنّا لا نحتجُّ بأخبارهم إلا ما بيَّنوا السماع فيما رووا، مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقِّين وأهل الورع في الدين، لأنا متى قبلنا خبر مدلّس لم يبيّن السماع فيه، وإن كان ثقة لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلّها؛ لأنَّه لا يدرى لعل هذا المدلس دلَّس هذا الخبر عن ضعيف يهي الخبر بذكره إذا عرف، اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنّه ما دلّس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبيَّن السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلّس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلَّس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بيَّن سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته لهذه العلّة، وإن لم يبين السماع فيها كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لم يسمع منه [1] ا. هـ
فتأمل تعليله عدم احتجاجه بأخبار المدلسين من الثقات والعدول إلا فيما بينوا السماع فيه، وهو أن الاحتجاج بها مُلزِم قبول المقاطيع والمراسيل كلها، فبان من هذا اشتراك الخبر المُدلَس والخبر المُرسل في علة القبول والرد، وهي احتمال ضعف الساقط من السند فيهما، فمتى كان المدلس لا يدلس إلا عن الثقات وقُبِل تدليسه فمرسله كذلك سواء.
قال الحافظ العلائي: وإن كان ذلك الراوي معروفًا بالتدليس، فما رواه عن شيخه بلفظ عن أو غيرها مما لم يصرح فيه بالسماع منه حكمه حكم المرسل سواء، فمن قبل المرسل مطلقًا يقبله ومن رده يرد هذا أيضا ولا فرق، ومن فرق في المرسل بين من كان لا يرسل إلا عن عدل فقبله وبين من يروي عن كل ضرب فلا يحتج بمرسله يقول كذلك في التدليس، فمن عرف منه أن لا يدلس إلا عن ثقة كسفيان بن عيينة قبل ما قال فيه عن واحتج به [2] ا. هـ
قال العبد الضعيف: ثم تأمل بعد هذا شهادة الإمام ابن حبان للإمام سفيان بن عيينة بأنه لا يحدث إلا عن الثقات، وقياسه قبول روايته إذا دلس على رواية ابن عباس إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يسمع منه، بجامع اتحاد العلة فيهما، فابن عباس لا يروي إلا عن صحابي مثله والصحابة كلهم عدول، وابن عيينة لا يروي إلا عن الثقات العدول، وهذا قياس شريف يدل على جلالة قدر الإمام سفيان بن عيينة وعظيم مكانته، وتحرزه التام في شيوخه ..
فمن قبل بعد هذا رواية الحبر ابن عباس رضي الله عنهما إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه منه، فيلزمه قبول تدليس ابن عيينة ومرسله والله أعلم.
وقال الإمام ابن عبد البر في التمهيد:
(1) (1/ 161) ط2 الرسالة.
(2) جامع التحصيل (1/ 80) .