الصفحة 46 من 121

فإذا تبين لك ما سبق في المسألة الأولى، فاعلم أن الإمام سفيان بن عيينة كان ممن لا يحدث إلا عن ثقة، وكان من المتحرزين في شيوخه العارفين بأحوال الرواة، وقد أورد الإمام عبدالرحمن بن أبي حاتم في الجرح والتعديل أمثلة تدل على ذلك منها:

ما رواه ابن أبي حاتم عن ذؤيب بن عمرو السهمي قال: سألت سفيان بن عيينة هل سمعت من صالح مولى التوأمة شيئا؟ قال: نعم هكذا وهكذا وهكذا وأشار بيده يعنى يكثره، سمعت منه ولعابه يسيل يعنى من الكبر، وما علمت أحدا من أصحابنا يحدث عنه لا مالك بن أنس ولا غيره.

قال ابن أبي حاتم: فقد بان أن ابن عيينة منتقدٌ لرواة الآثار فإني لا أعلمه روى عن صالح مولى التوأمة شيئًا [1] ا. هـ

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال سمعت على بن المديني يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول: كنا نتقى حديث داود بن الحصين.

وقال أيضًا: حدثنا أبي قال سمعت أبا معمر القطيعي يقول: كان ابن عيينة لا يحمد حفظ ابن عقيل يعنى عبد الله بن محمد بن عقيل.

وقال أيضًا: حدثنا أبو زرعة حدثنا الحميدي قال قال سفيان: كان ابن عقيل في حفظه شيء فكرهت أن ألقاه [2] ا. هـ

ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه قال: وحدثني سَلَمَةُ حدثنا الْحُمَيْدِيُّ حدثنا سُفْيَانُ قال سمعت جَابِرًا (أي ابن يزيد الجعفي) يحدث بِنَحْوٍ من ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ ما أَسْتَحِلُّ أَنْ أَذْكُرَ منها شيئا وَأَنَّ لي كَذَا وَكَذَا [3] ا. هـ

فهذا وغيره الكثير يدلك على جلالة هذا الإمام وإتقانه ومعرفته بحال الرواة، وأنه لا يحدث إلا عن الثقات، مع كونه يحفظ آلاف الأحاديث عن سواهم، وهذا حقيق أن يضرب به المثل في الورع والأمانة، وهو دال على حرصه الشديد من أن يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس من كلامه.

ولهذا قبل الأئمة تدليسه لما علموا من تحرزه عن التحديث إلا عن ثقات شيوخه، فإذا أسقط أحد شيوخه فقد استغنينا عن معرفة حال الساقط بما تيقناه من كونه لا يحدث إلا عن الثقات.

(2) انظر هذا وما سبقه (1/ 40) .

(3) صحيح مسلم (1/ 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت