من المتفق عليه عند طلبة العلم والمحدثين، أن البخاري إذا قال يذكر هذي صيغة يسمونها صيغة التضعيف وصيغة التمريض وإنما قصد البخاري التنبيه إلى ضعف هذا الحديث بهذه الإشارة العظيمة.
هذا كلام باطل لا يصدر من عارف بصحيح الإمام البخاري، وإنما أبان الحميدي هنا عن جهله بصحيح البخاري، وبكلام أهل العلم.
فهذه الصيغة إذا أوردها الإمام البخاري في صحيحه فإنها لا تدل على التضعيف مطلقًا، كيف وهو قد علق في صحيحه حديثًا ثم أورده متصلًا في باب آخر.
فقال رحمه الله:(بَاب ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا.
قال أبو هُرَيْرَةَ عن النبي ? أَثْقَلُ الصَّلَاةِ على الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ وقال لو يَعْلَمُونَ ما في الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ قال أبو عَبْد اللَّهِ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} وَيُذْكَرُ عن أبي مُوسَى قال كنا نَتَنَاوَبُ النبي ? عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ [1] ... إلخ).
ثم بعد باب واحد يخرج حديث أبي موسى موصولًا فقال: (بَاب فَضْلِ الْعِشَاءِ) .
وأورد حديثًا ثم ذكر بعده حديث أبي موسى فقال: (حدثنا محمد بن الْعَلَاءِ قال أخبرنا أبو أُسَامَةَ عن بُرَيْدٍ عن أبي بُرْدَةَ عن أبي مُوسَى قال كنت أنا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي في السَّفِينَةِ نُزُولًا في بَقِيعِ بُطْحَانَ وَالنَّبِيُّ ? بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النبي ? عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ منهم فَوَافَقْنَا النبي عليه السلام أنا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ في بَعْضِ أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حتى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ثُمَّ خَرَجَ النبي ? فَصَلَّى بِهِمْ فلما قَضَى صَلَاتَهُ قال لِمَنْ حَضَرَهُ على رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا إِنَّ من نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ ليس أَحَدٌ من الناس يُصَلِّي هذه السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ أو قال ما صلى هذه السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ لَا يَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قال قال أبو مُوسَى فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا من رسول اللَّهِ ? [2] .
قال الحافظ ابن حجر: قوله (ويذكر عن أبي موسى) سيأتي موصولًا عند المصنف مطولًا بعد باب واحد وكأنه لم يجزم به لأنه اختصر لفظه، نبه على ذلك شيخنا الحافظ أبو الفضل وأجاب به من اعترض على ابن الصلاح حيث فرق بين الصيغتين، وحاصل الجواب: أن صيغة الجزم تدل على القوة وصيغة التمريض لا تدل، ثم بين مناسبة العدول في حديث أبي موسى عن الجزم مع صحته إلى التمريض بأن البخاري قد يفعل ذلك
(1) صحيح البخاري (1/ 206) ط3 دار ابن كثير - ت البغا.
(2) صحيح البخاري (1/ 207) .