ثم قال بعد هذا محاولًا إبطال ذلك القياس الذي أوهم السامع بعدم وجود دليل سواه: ولذلك كلام من ذكرهم من ما يخدمه كلام البغوي إذا دخل الكفار دار الإسلام، أنت ألغيت ما في دار الإسلام عندك أصلًا، قاعد في لندن هناك ويقول كل الحكام المسلمين و وال والشعائر واللي معهم كفار، طيب أين دار الإسلام التي تتكلم عنها أنت أين هي؟ أنت ألغيتها بهذا الكلام وما عاد تصورتها، لأن كل من يحكم هذه الأرض كلهم كفار مرتدون عندك فما عاد في دار إسلام في واقع الأمر بالنسبة لهذا التصور الفاسد الذي هو ذهني فقط لا، فراح لكلام الأئمة البغوي وشيخ الإسلام ليوظفه لهذا المسلك الخطير.
لست أحسب هذا الكلام الفاسد يصدر إلا من جاهل تشربت نفسه الجهالة، فهل يدري هذا الرجل ما يقول، وهل يعرف ما كلامه إليه يؤول.
ويكفي لرد هذا الهذيان ما تقرر من إجماع أهل العلم على وجوب الخروج على الحاكم إذا كفر.
ثم نقول: قياس وجوب الخروج على الحاكم المرتد وقتاله على وجوب قتال الكفرة إذا دخلوا أرض الإسلام قياس صحيح، بل قتاله أولى وأوجب من قتال الكفرة الداهمين لأرض الإسلام.
فأما كونه صحيحًا فلوجهين:
الأول: اتحاد حكم أهل العلم على المسألتين.
الثاني: أن صنيع أهل الإسلام وعلى رأسهم العلماء مع الكفار إذا دهموا أرض الإسلام كصنيعهم مع من ارتد من حكام المسلمين، وحالهم مع بني عبيد خير برهان.
وأما كون قتال الحاكم إذا ارتد أولى وأوجب من قتال الكفرة إذا دخلوا بلاد المسلمين فلثلاثة أوجه:
الأول: تغلظ الحكم، فإن حكم المرتد أغلظ من حكم الكافر الأصلي إجماعًا.
الثاني: خطورة الحال وهذا من جهتين:
الأولى: أنه ليس من قصد دار الإسلام من خارجها كمن هو قارٌ لابث فيها، فالعدو الداخلي أخوف من العدو الخارجي كما لا يخفى.
الثانية: تمكن الحاكم المرتد وسلطانه على أرض الإسلام، فليس من قصد ديار المسلمين ودهمها وهو لا يملك منها شيئًا ولا سلطان له على شبر منها، كمن هو ممكن منها وهي تحت يده وسطوته.