الوجه الثالث: أن الحاكم المرتد أقرب إلينا من غيره وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة} (التوبة 123) .
وأما قوله: كلام البغوي: (إذا دخل الكفار دار الإسلام) أنت ألغيت ما في دار الإسلام عندك أصلًا.
وقوله: أين دار الإسلام التي تتكلم عنها أنت أين هي؟ أنت ألغيتها بهذا الكلام وما عاد تصورتها لأن كل من يحكم هذه الأرض كلهم كفار مرتدون عندك.
فيبدو أن الحميدي لا يتسع عقله للتفريق بين دار الكفر الأصلية ودار الكفر الطارئة، وألْمَحُ في كلامه هذا أنه لا يفهم من تسمية الدار دار كفر إلا ما يفهمه الخوارج الذين يعتقدون التلازم بين حكم الدار وحكم الناس فيها.
فإن تَحوّل مسمى الدار من دار إسلام إلى دار كفر لا يستلزم تحول حكم الناس فيها من الإسلام إلى الكفر، فالدار وإن تحول مسماها فهي باقية للمسلمين، ولا يسقط الوجوب عن أهل الإسلام إلا بإعادتها إلى حكم الإسلام وسلطانه.
فقول أهل العلم (إذا دخل الكفار دار الإسلام فالجهاد فرض عين) منطبق على دار الكفر الطارئة اعتبارًا بأصل حالها، ولا يصح صرف كلامهم عنها لتحول مسماها، إذ هو وصف طارئٌ دخيل، لا وصف للدار أصيل.
ثم نقول للحميدي: لازم كلامك هذا أن الكفار إذا دخلوا أرض المسلمين-كلها أو بعضها- وقهروهم وبسطوا سلطانهم على ديارهم، فإن الجهاد قد سقط عنهم إلى الأبد!! لأن أهل العلم قالوا إذا دخل الكفار دار الإسلام وجب الجهاد، فالحال أن الكفار وجب جهادهم حال دخولهم دار الإسلام فإن اندفعوا فذاك، وإن هم قهرونا واستولوا على ديارنا فقد سقط جهادهم عنا لأن أهل العلم إنما قالوا إذا دخل الكفار دار الإسلام ولم تعد هذه دار إسلام بعد تسلط الكفار عليها، فلا ينطبق عليها قول أهل العلم إذًا.
وهذا منتهى الفساد، وهو لازم قول الحميدي، بل هو عين معناه.
فهل عرفت يا هذا جهلك وشناعة قولك؟! أم لا زلت مُصِرًا على باطلك وغيك؟!!.
وقوله: فما عاد في دار إسلام في واقع الأمر بالنسبة لهذا التصور الفاسد.
فهنا لا بد من التفريق بين القول بأن ديار الإسلام تحولت إلى ديار كفر، وبين القول بانعدام وجود دار إسلام في الأرض، فليس الثاني كالأول، صحيح أن الأول محتمل للثاني لكنه ليس بصريح فيه.