ولما خاف أبو بكر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان المشركون يبحثون عنهم قال: لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا،قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟"؛ ولهذا قال المؤلف:"ورفيقه في الهجرة والغار أبو بكر الصديق"هذا أبو بكر،هذه كنية،والصديق لقب،والصديق فعيل صيغة مبالغة من قوة تصديقه،وهو الصديق الأكبر.
"ووزيره في حياته"يعني: ملازمته له ومشاورته له،"وخليفته بعد وفاته"هو عبد الله بن عثمان،اسمه عبد الله بن عثمان عتيق بن أبي قحافة،"ثم بعده -في الفضيلة والخلافة- الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب"الفاروق لقب له،وأبو حفص كنية،واسمه عمر بن الخطاب،اسمه عمر،ولقبه الفاروق،وكنيته أبو حفص،"الذي أعز الله به الإسلام،وأظهر به الدين"،"أعز الله به الإسلام"لما أسلم قوي المسلمون،صار لهم قوة بإسلامه،أعز الله به الإسلام وأظهر به الدين،وفتحت في أيامه الفتوح ومصرت الأمصار.
"ثم بعده -الثالث- ذو النورين،أبو عبد الله عثمان بن عفان،الذي جمع القرآن"ذو النورين عثمان؛ لأنه تزوج ابنتين من بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - ،تزوج واحدة ثم توفيت،ثم تزوج الأخرى،فيقال له ذو النورين،تزوج رقية وأم كلثوم -رضي الله عنهم-.
عثمان بن عفان الذي جمع القرآن،وأظهر العدل والإحسان،هذه من خصائصه من فضائله أنه جمع القرآن،الله أنزل القرآن على سبعة أحرف رحمة بالأمة وتسهيلا عليهم،ثم بعد ذلك حصل اختلاف في بعض الغزوات،وكان حذيفة في مغازي أرمينية وأذربيجان ورأى اختلاف الناس في القراءة،وسمع بعضهم يقول: قراءتي أحسن من قراءتك. فجاء إلى عثمان -رضي الله عنه- وقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فجمع الصحابة وشاورهم فأجمعوا على جمع الناس على حرف واحد هو حرف قريش.
وهذا الحرف تدخل فيه القراءات السبع كلها،بل العشر داخلة في حرف واحد،وهو الحرف الذي درس فيه جبرائيل النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة الأخيرة التي توفي فيها،فهذا من فضائله -رضي الله عنه- فجمع الناس على مصحف،على هذا الحرف،وكتب في ذلك سبعة مصاحف،تسمى هذه المصاحف الأئمة،أرسل لكل مِصْرٍ مصحفا: أرسل لأهل مكة مصحفا،وإلى أهل الكوفة مصحفا،ولأهل الشام مصحفا،ولأهل مصر مصحفا،وأحرق بقية المصاحف.
ذكر الحافظ ابن كثير هذه الفضيلة في ( البداية والنهاية ) وقال: إن من مناقبه الكبار وحسناته العظيمة -رضي الله عنه- أن جمع الناس على قراءة واحدة،وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر سِنِي حياته،وذكر أن سبب ذلك ما وقع من خلاف بين القراء في بعض الغزوات،وكان معهم حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-،فركب إلى عثمان وأخبره بما كان وقال: أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم.