الصفحة 575 من 604

الألسنة والألوان،واختلاف الطباع والأخلاق،واختلاف المواهب والاستعدادات،فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق،بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات. وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان اللّه. إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم،ويعرف به فضل الناس: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» .. والكريم حقا هو الكريم عند اللّه. وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين: «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» ..

وهكذا تسقط جميع الفوارق،وتسقط جميع القيم،ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة،وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر،وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان.

وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس. ويظهر سبب ضخم واضح للألفة والتعاون:ألوهية اللّه للجميع،وخلقهم من أصل واحد. كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته:لواء التقوى في ظل اللّه. وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من عقابيل العصبية للجنس،والعصبية للأرض،والعصبية للقبيلة،والعصبية للبيت. وكلها من الجاهلية وإليها،تتزيا بشتى الأزياء،وتسمى بشتى الأسماء. وكلها جاهلية عارية من الإسلام! وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها،ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة:راية اللّه .. لا راية الوطنية. ولا راية القومية. ولا راية البيت. ولا راية الجنس. فكلها رايات زائفة لا يعرفها الإسلام.

وهذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي. المجتمع الإنساني العالمي،الذي تحاول البشرية في خيالها المحلق أن تحقق لونا من ألوانه فتخفق،لأنها لا تسلك إليه الطريق الواحد الواصل المستقيم .. الطريق إلى اللّه .. ولأنها لا تقف تحت الراية الواحدة المجمعة .. راية اللّه .. [1]

وعَنْ أَبِى نَضْرَةَ،قَالَ: حَدَّثَنِى مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ،فَقَالَ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ،أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ،وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ،أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِىٍّ عَلَى أَعْجَمِىٍّ،وَلاَ لِعَجَمِىٍّ عَلَى عَرَبِىٍّ،وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ،وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ،إِلاَّ بِالتَّقْوَى،أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ:"أَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ،ثُمَّ قَالَ:"أَىُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ،قَالَ: ثُمَّ قَالَ:"أى بلد هذا؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ،قَالَ:"فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ: وَلاَ أَدْرِى،قَالَ: أَوْ أَعْرَاضَكُمْ،أَمْ لا -"كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا،فِى شَهْرِكُمْ هَذَا،فِى بَلَدِكُمْ هَذَا،أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.. [2] "

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3348)

(2) - غاية المقصد في زوائد المسند 1 - (2 / 69) (1665 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت