وعلى تلك الأسس خرجت جيوش الإسلام،وساحت في كثير من الأنحاء المعمورة من الأرض،فكانت الجيوش قبل أن تقاتل تعرض على الخصم أن يُسْلم فيصير مع المسلمين إخوة أصحاب دين واحد،وإن لم يقبل العدو ذلك فالجزية فرض عليه،تعلن خضوعه للمسلمين ودخوله تحت سلطانهم،ويبقى في مأمن من المسلمين أنفسهم ومن أى عدو آخر يريدهم بسوء،وإن لم يقبلوا ذلك أيضا فالثالثة،وهي الحرب ..
فعل المسلمون ذلك في كثير من المعارك،كاليرموك والقادسية. وفي معارك المدن والحصارات المضروبة عليها كان العدو أحيانا يبادر إلى طلب الصلح مقابل جزية معينة على عموم أهل البلد،كما حدث في فتح طبرية وفتح حلب،وأما إذا فتح المسلمون البلد بالقهر والقوة فإنهم يفرضون على المهزوم جزية أعلى من جزية المصالحين بلا حرب أو مساوية لها،حسب أهمية المدينة،كما حدث في فتح دمشق. وإذا نقض أهل الصلح عهدهم،وغلبهم المسلمون ثانية زادوا عليهم الجزية أو صالحوهم على نفس الجزية،كما حدث في فتح أنطاكية.
وقد كان المسلمون يسقطون الجزية أحيانا عن بعض البلاد مقابل دور ما يقومون به في خدمة المسلمين،كما حدث في فتح الجرجومة،التي قام أهلها على الحدود بين المسلمين والروم،يخبرونهم بتحركات الروم،ويحرسون الثغر من جهتهم.
سيرة الأمم الكبرى في التاريخ سيرة تسلط من القويّ على الضعيف،يهين كرامته،ويذل بشريته،ويأكل ماله،ويستولي على أرضه،كذا فعل الفرس،وكذا فعل الروم،وكذا فعل ويفعل غيرهم في طول التاريخ وعرضه..
أما المسلمون في أزمان الرشد،وأوقات العمل بدينهم فلا ترى في حقيبتهم إلا الخير يحملونه للناس من حولهم،وإن خالفوهم في العقيدة،بل إنهم يحملون الخير للحيوان الأعجم،إذ يحرم الإسلام إيذاءه بغير حاجة.
والجزية علامة مميزة على رفق الخلفاء الراشدين ورقتهم،فلم يرهقوا أهل الذمة بما يعجزون عنه،مع أن الشرع قد فوضهم في تحديد قيمة هذه الجزية،ففرضوا على الغني ثمانية وأربعين درهما في العام،وعلى المتوسط أربعة وعشرين،وعلى الفقير اثني عشر درهما،فإن عجز عوفي منها وسقطت عنه.
وكان الخليفة الراشد يوصي جامعي الجزية بالرفق في جمعها،وأن يأخذوا من أهل الذمة ما تيسر لهم دفعه من الأشياء بما يساوي قيمة الجزية،فأهل العراق مشهورون بالفضة فدفعوا جزيتهم فضة،بينما أداها أهل مصر والشام ذهبا لشهرة بلادهم بعملات الذهب. بل كان من الخلفاء الراشدين من لا يشترط أن تؤدى الجزية نقودا،ويأخذ من بائع القمح قمحا،ومن بائع الحبال حبالا.
خاض المسلمون في فتح الشام ومصر والعراق وفي جزيرة العرب وإفريقية عشرات المعارك،وانتصروا في الغالبية العظمى منها،وكان النصر يعني دائما الحصول على غنائم ضخمة،خاصة في المعارك الكبيرة