وقعت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة في شهر رجب،وهى غزوة جيش العسرة الذي تكوّن في ظروف شديدة الصعوبة،تخلف عنها الكثير من المنافقين،وبعض المؤمنين،ولم يشهدها علي بن أبى طالب.. إلا إنه لم يتخلف عن الجهاد،ولم يتراجع عن أداء واجبه،وإنما استخلفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أهله. واستغل المنافقون الفرصة،وقالوا:"ما خُلِّف علي إلا لشيء كُره منه"،فبلغ ذلك عليا،فاتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن تحرك الجيش،حتى وصل إليه،فسأله - صلى الله عليه وسلم -:ما جاء بك يا علي؟ فقال: ما جئت إلا لإني سمعت ناسا يزعمون إنك إنما خلفتنى لشيء كرهتَه منى"،فتضاحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال:"يا علي،أما ترضى أن تكون مني كهارون من موسى،غير إنك لست بنبي ؟! فقال علي: بلى يا رسول الله،قال: فإنه كذلك"."
وعاد علي إلى المدينة وقد اطمأن قلبه وارتاحت نفسه،ورُدّ كيد المنافقين في نحورهم.. ودوره هو حمآية العرين حتى ترجع الأسود إلى بيوتها.
أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام،وظل هناك ستة أشهر،وهم لا يجيبونه إلى شيء،وهو فارس الفرسأن وبطل القادة،فاختار - صلى الله عليه وسلم - رجلا شهد له الجميع بإنه من أعلم الصحابة وأفقههم،وهو علي بن أبى طالب. وذهب علي إلى اليمن،وبعد أن صلى الفجر تقدم إلى الناس وقرأ عليهم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت همدأن كلها في يوم واحد.. الله أكبر إنه ليس فاتح حصون وبلدأن فقط،بل فاتح قلوب بعزة الله وقدرته أيضا.. وبعد أن أسلمت همدأن كلها تتابع أهل اليمن إلى الإسلام..
وعندما أراد علىٌّ العودة إلى مكة استخلف على الجند الذين تركهم رجلا من أصحابه،فكسا ذلك الرجلُ رجالا منهم حللا من حرير كان مع علي بن أبى طالب،فلما عاد الجيش خرج علي ليلقاه،فإذا هم عليهم الحلل،فنزعها منهم،فسأله الرجل: لماذا ؟ فقال علي: ويلك،أنزع قبل أن تنتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتكى الجيش إلى رسول الله ذلك،فقام - صلى الله عليه وسلم - خطيبا فيهم قائلا:"يا أيها الناس لا تشكوا عليا،فوالله إنه لأخشى في ذات الله ...".
فى السنة التاسعة من الهجرة بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر الصديق لكى يحج بالناس،وكان ذلك بعد عودته - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ... وكان المشركون يأتون للحج ومن عاداتهم السيئة الطواف بالكعبة وهم عرايا،وكره الرسول الاختلاط بهم على هذه الهيئة في الحج،فأمر أبا بكر على جموع الحجيج،وأمره بمحو العادات الجاهلية التى أدخلها المشركون على الحج،وما لبث النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أرسل عليا خلف أبى بكر ليقرأ على الناس سورة براءة،وليوضح لهم عهد الله ورسوله،وهو:"لا يقربن المسجد الحرام بعد عامهم هذا مشرك،ولا يطوفن بالبيت عريأن،ومن كان بينه وبين الرسول عهد فعهده إلى مدته،وإن هذه أيام أكل وشرب وليست حربا،وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما".