كما سير معاوية إلى اليمن والحجاز بسر بن أرْطَأة،فاستطاع أن يُدخِل اليمن في طاعته،وأَرسَلَ عليٌّ سريةً ردَّتْه عن الحجاز،وأصبحت دولة معاوية تتسع بمرور الوقت،في الوقت الذي تضيق فيه دولة عليٍّ.
وانتهى الأمر بأنْ جَرَتْ بينهما مهادنة بعد مفاوضات طويلة على وضْع الحرب بينهما،وكفِّ السيف عن هذه الأمة حقنا لدماء المسلمين،على أن يكون لعليٍّ العراق وبلاد فارس،ولمعاوية الشام،فلا يدخل أحدهما على صاحبه فيما تحت يده بجيش ولا غارة،وتراضيا على ذلك.
ولكن العراق كله كانت تضطرم فيه نار الخلاف والشقاق؛ ففريق هم شيعة عليّ،وآخرون خوارجُ لا يريدون عليا ولا معاوية،وفريق منافق يُظهر طاعة عليّ ويُخفى عداءه،فمَلَّهم أميرُ المؤمنين وسئِم إمارتَه عليهم،حتى خاطبهم بذلك في كثير من خطبه،وتمنّى أن يستريح منهم بلقاء الله تعالى،فلقي اللهَ شهيدا بأيدي الخوارج البغاة.
ازداد معاوية بن أبي سفيان بعد التحكيم قوة،واختلف الناس بالعراق على عليٍّ،ولم يدخل معاوية بعدَ صِفّين في حروب طاحنة،ولم يمر بالظروف الحرجة التي مر بها جيش عليٍّ في صراعه ضد الخوارج،فلم يعد له همّ إلا مصر التي كان يخشاها وأهلَها لقربهم منه،فأراد أن يضمها إليه كي يأمن خطرها عليه،فأرسل إلى مَنْ لم يبايعْ عليا ولم يأتمر بأمر نُوّابِه يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعا،وكان واليها من قِبَلِ عليٍّ حينئذٍ محمد بن أبي بكر،وكان يواجه اضطرابات داخلية بسبب معاوية بن خديج ومسلمة بن مخلد ومَن اعتزلوا معهما بخربتا من العثمانية،إذْ كان أمرهم يزداد قوة يوما بعد يوم،خاصة حين انصرف عليٌّ من صِفّين وكان ما كان مِنْ أمْرِ التحكيم،ثم حين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام،فخرج معاوية بن خديج ومن معه مطالبين بدم عثمان،فلما علم أمير المؤمنين عليٌّ بذلك رأى أن محمدا لا تمكنه المقاومة فولّى على مصرَ الأشْتَرَ النَّخَعيّ،فتُوُفِّي في الطريق،وشق على محمد بن أبي بكر عزلُه،فأرسل إليه عليٌّ يثبته عليها،ويأمره بالصبر على أعدائه والاستعانة بالله.
فلما كانت سنة ثمان وثلاثين من الهجرة أرسل معاوية عمرَو بن العاص في ستةِ آلافٍ،فسار بهم حتى نزل أدنى مصر،فجاءه مَنْ خالفَ عليا وطالب بدم عثمان في عشرة آلاف،فكتب محمد إلى عليٍّ بالخبر واستمدَّه،فأرسل إليه أن يضم شِيعتَه إليه،ويأمره بالصبر ويَعِدُه بإنفاذ الجيوش إليه،فقام محمد في الناس وندبهم إلى الخروج معه،فقام معه قليل،لم يصمدوا أمام جيوش الشام وانْهزموا،ودخل عمرو بن العاص الفسطاطَ،وهرب محمد وخرج معاوية بن خديج يطلبه حتى التقى به فقتله.
وبقتل محمد بن أبي بكر اشتد أمر معاوية وصارت مصرُ في طاعته،وبايع له أهلُها،أما المدد الذي أرسله أمير المؤمنين لمساعدة محمد فإنه بَلَغَهُم وهم في الطريق قَتْلُهُ فرجعوا إلى عليٍّ بالخبر!
اختلف الناس على عليٍّ،فطمع أهل فارس وأهل كَرْمان في كَسْر الخراج،فغلب أهلُ كلِّ ناحية على ما يليهم،وأخرجُوا عُمَّالَهم،وطردُوا سهلَ بن حنيف عاملَ عليٍّ هناك،فقال ابن عباس لعليٍّ: أكفيك