الصفحة 249 من 604

لما انتهى أمير المؤمنين من أمر الخوارج في النهروان أمر أصحابه بالمسير إلى الشام لقتال معاوية ومن معه،فقالوا: يا أمير المؤمنين،نَفِدَتْ نِبالُنا وكَلّتْ سيوفُنا.. فانصرفْ بنا إلى مِصْرِنا (أي بلدنا) حتى نستعد بأحسن عُدّتنا،ولعل أمير المؤمنين يَزيد في عُدتنا عُدة مَنْ فارقنا وهلك منّا،فإنه أقوى لنا على عدوّنا.

فأقبل عليّ بالناس حتى نزلوا بالنُّخَيْلة فعسكر بها،وأمر الناس أن يلزموا مُعسكرَهم ويوطِّنوا أنفسهم على جهاد عدوهم،وأن يُقِلُّوا زيارة نسائهم وأبنائهم.

فأقاموا معه أياما متمسكين برأيه وقوله،ثم تسللوا حتى لم يَبْقَ منهم أحد إلا رءوس أصحابه،وأمسى المعسكر خاليا،فلما رأى ذلك دخل الكوفة،وانكسر عليه رأيه في المسير إلى عدوهم،ووبَّخهم وأنَّبَهم وتَوَعَّدهم،وتلا عليهم آياتٍ في الجهاد من سُوَرٍ متفرقة،وحضّهم على المسير إلى عدوهم،فأبَوْا ذلك وخالفوه ولم يوافقوه،واستمروا في بلادهم،وتفرقوا عنه هنا وهناك.

لقد ضعُفت عزائمُهم،فملوا من القتال،وإذا كانت هذه حال الجيش فلا عجب مما آل إليه حال أمير المؤمنين عليّ نفسِه،فإن سلطانه صار إلى نقصان يوما بعد يوم،وهو كل ساعة يحرّضهم بما آتاه الله من فصاحة اللسان وبلاغة القول،فما ازدادوا إلا فتورا،وقليل منهم الذي أخلص القول والعمل.

وكثرت عليه الخوارج بحجّتِهم التي تَأوّلوها،وهي أنه حكَّم الرجال في دين الله ولا حُكْمَ إلا لله.

بلغ عليا مقتلُ محمد بن أبي بكر،وما انتهى إليه الأمر بمصر،وسيطرة عمرو بن العاص عليها،وتسليم الناس على معاوية بالخلافة،فقام علي في الناس خطيبًا فحضّهم على الجهاد والصبر والمسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين،فلم يُجيبوه،وانتهى أمر العراقيين إلى الخروج على عليٍّ ومخالفته فيما يأمرهم به وينهاهم عنه،حتى طمع أهل فارس ومنعوا الخراج.

وبعد أن تم لمعاوية أمرُ مصرَ سيَّرَ إلى البصرة عبدَ الله بن الحضرميّ،فاجتمع إليه جمعٌ كثير ممن يطلب بثأر سيدنا عثمان ومن نُكِبَ في الجمل،ولم يصل معاوية بهذه المحاولة إلى نتائج مرضية له،فبدأ يجهز جيشه ليفرقه في الأنحاء الخاضعة لعليٍّ،خاصة بعدما رأى من عصيان جيوش أهل العراق لعلي،وصار معاوية يرى أنه أوْلَى بأمر المسلمين من عليٍّ،فبعث في سنة تسع وثلاثين النعمانَ بن بشير في ألفَيْ فارس إلى عين التمر،فانهزموا ولم يحققوا شيئا،وبعث ستة آلاف إلى هِيت،فلم يجد بها أحدا،فسار إلى الأنبار فأغار عليها واحتمل ما كان بها من أموال ثم عاد،كما بعث عبدَ الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة فارس إلى تَيْمَاء،فانهزموا أمام جيش عليٍّ وفروا هربا إلى الشام،وصارت السرايا بعد ذلك تتردد بين الجبهتين وكل يريد كَسْبَ أنصار له رغبة في إغلاق الباب في وجه الصراعات الطاحنة،حتى سير معاوية إلى مكة أميرًا على الموسم،ولكن الناس اختاروا غيره أميرًا للحج،فأَمَّهم وقضيت المناسك في سلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت