عليا أرسل إليهم رسولا،فلمّا قَدِمَ عليهم عاجلوه بالقتل أيضا دون إمهالٍ. فلما بلغ ذلك عليا عزم على المسير إليهم.وقد كان الفهمُ المقلوبُ للدين لدى هؤلاء الخوارج باديًا لكل ذي بصيرة؛ فمن فعالهم أنهم لما خرجوا إلى النهروان أصابوا مسلما ونصرانيا،فقَتَلُوا المسلمَ وأوصَوْا بالنصراني،وقالوا: احفظوا ذمةَ نبيِّكم،ولَقِيَهم عبدُ الله بن خباب بن الأرت،وفي عنقه مصحف ومعه امرأتُه وهي حامل،فقالوا: إن هذا الذي في عنُقِك لَيَأْمُرُنا بقتْلِك،قال: ما أحيا القرآنُ فأحْيُوه وما أماتَه فأمِيتُوه،فوَثَبَ رجلٌ منهم على رطبة فوضعها في فِيهِ فصاحوا به فلفظَهَا تورعًا،وعرض لرجل منهم خِنزير فضربه الرجل،فقتله،فقالوا: هذا فساد في الأرض،فقال عبد الله بن خباب: ما عَلَيَّ منكم بأسٌ،إني لمسلم،قالوا: حدِّثْنا عن أبيك،قال: سمعتُ أبي يقول: سمعت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول:"تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنُه،يُمْسِي مؤمنًا ويصبح كافرًا،فكُنْ عبدَ الله المقتولَ ولا تكنْ القاتلَ".
قالوا: فما تقول في أبي بكر وعُمر؟ فأثْنى خيرا،فقالوا: ما تقول في عليٍّ قبل التحكيم،وفي عثمان ست سنين؟ فأثْنى خيرًا،فقالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم؟ قال: أقول إن عليا أعلمُ بكتاب الله منكم وأشدُّ تَوَقِّيا على دينه،وأنفذُ بصيرةً،قالوا: إنك لَسْتَ تتبع الهدى،إنك تتبع الرجالَ على أسمائها،ثم قَرَّبُوه إلى شاطئ النهر فذبحوه.
وساوموا رجلًا نصرانيًا في نخلة له،فقال: هي لكم،فقالوا: ما كنا نأخذُها إلا بثمن،فقال: ما أعجبَ هذا! تقتلون مثلَ عبد الله بن خباب،ولا تقبلون مني جني نخلة!! فلما بلغ أميرَ المؤمنين عنهم هذا الفساد عزم على قتالهم.
لما بلغ الناسَ صنيعُ الخوارج وإفسادُهم،خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهلِه أن يَخلُفَهم هؤلاء في أبنائهم وديارهم بهذا الصنع،وأشاروا على أمير المؤمنين بأن يبدأ بهؤلاء،ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شرهم،فاجتمع الرأي على هذا،وفيه خير عظيم لهم ولأهل الشام.
ونادَى منادِي عليٍّ في الناس بالرحيل،فعبَر بهم أميرُ المؤمنين الجسرَ فصلى ركعتين عنده،ثم سلك دير عبد الرحمن،ثم دير أبي موسى،ثم شاطئ الفرات،ثم سلك ناحيةَ الأنْبار،وبعث بين يديْه قيسَ بنَ سعد،وأمَرَه أن يأتي المدائن،وأن يلقاه بنائبها سعد بن مسعود الثقفي في جيش المدائن؛ فاجتمع الناسُ هنالك على عليٍّ،وبعث إلى الخوارج أنْ أخرجوا إلينا قَتَلَةَ إخوانِنا منكم حتى نقتلهم،ثم نحن تارِكُوكم.. ثم لعل الله أن يُقبِل بقلوبكم،ويردَّكم إلى خيرٍ مما أنتم عليه. فبعثوا إلى عليٍّ يقولون:كلُّنا قَتَلَةُ إخوانِكم،ونحن مستحِلُّون دماءَهم ودماءَكم.