بعث أمير المؤمنين عليٌّ عبدَ الله بن عباس إلى الخوارج ليناظرَهم،فلما أتى معسكرَهم قام ابنُ الكوَّاء فخطب في الناس،فقال:"يا حَمَلَةَ القرآن،هذا عبد الله بن عباس،فمن لم يكنْ يعرفه فأنا أعَرِّفُه: ممَّنْ يُخاصِم في كتاب الله بما لا يَعرفه،هذا مِمَّنْ نزل فيه وفي قومِه: (..بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) [ الزخرف: 58] ،فرُدُّوه إلى صاحبه ولا تُواضِعُوه (أي لا تناقشوه ولا تدارسوه) كتابَ اللهِ."
فقال بعضُهم: واللهِ لَنُوَاضِعَنَّه،فإنْ جاء بحقٍّ نعرفُه لَنَتَّبِعَنَّه،وإن جاء بباطل لَنَكْبِتَنَّه بباطله،فلما كلمهم ابن عباس رجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ كلُّهم تائبٌ،فيهم ابنُ الكوّاء،حتى أدخلهم عَلَى عَلِيٍّ الكوفةَ،فبعث عليٌّ إلى بقِيَّتهم،فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم،فَقِفُوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بيننا وبينكم ألا تسفكوا دما حراما،أو تقطعوا سبيلا،أو تظلموا ذمة،فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء (..إن الله لا يحب الخائنين ) [ الأنفال: 58] . لكنهم خالفوا وخرجوا إلى النهروان.
اجتمع الخوارج ووقع اختيارُهم على عبد الله بن وهب الراسبي أميرا لهم،وكانوا يجتمعون كثيرا في بيوتهم لتصريف شئونهم وتحديدِ أهدافِهم والتخطيط لتنفيذِها،وفي أحدِ هذه الاجتماعات قال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنْفَاذ حكم الله،فإنكم أهل الحق،فقال أحدهم: نخرج إلى المدائن فننزلها،فنتملكها،ونُخرج منها سكانَها،ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيَقْدمون علينا.
فقال آخر: إنكم إنْ خرجْتم مجتمعين اتُّبِعتم ومُنعتم،ولكن اخرجُوا وحدانًا مستَخْفِين لئلا يفطَن بكم،فأما المدائن فإن بها مَنْ يمنعكم،ولكن سيروا حتى تنزلوا جسرَ النَّهْروان،وتُكاتِبُوا إخوانَكم من أهل البصرة،قالوا: هذا الرأيُ.
وكتب عبد الله بن وهب كتابا عاما إلى مَنْ هو على مذهبهم ومَسلكهم من أهل البصرة وغيرِها،وبعثُوا به إليهم ليوافُوهم،ويكونوا يدًا واحدة على الناس.
فلما عزموا على المسير تَعَبَّدُوا ليلتَهم ـ وكانت ليلة الجمعة ـ وساروا يوم السبت،ثم خرجُوا يتسلَّلون فرادى لئلا يعلم أحد بهم فيمنعهم.
وقد تَدَارَكَ جماعة من الناس بعضَ أولادهم وإخوانهم،فرَدُّوهم وأنَّبُوهم ووبَّخُوهم،وذهب الباقون إلى ذلك الموضع،واجتمع إليهم مَنْ كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها،واجتمع الجميع بالنَّهْروان وصارت لهم شوكة ومنعة،وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة ونجدة،وعندهم أنهم متقربون بذلك إلى الله العلي العظيم،مع أنهم ارتكبوا الكثير من الباطل والفساد!
ظن الخوارج أنهم هم الأوصياء على الحق،وأنهم أهله دون الناس،وأعطوا أنفسهم أكثر مما تستحق.. ومع اجتهادهم في العبادة وقراءة القرآن،إلا أنهم لم يكن لهم فقه وعلم يضبط أعمالهم،فعاثُوا في الأرض فسادًا،وسَفَكُوا الدماءَ الحرام،وقطعوا السُّبُلَ،واستحلُّوا المحارمَ،وكان من جملة مَنْ قَتلوه عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ذبحوه ذبْحَ النِّعاج،وقتلوا زوجته معه،فلما بلغ ذلك