رابعًا: ليس الرجعية كلها مذمومة لأن من مدلولها اللفظي التي تحاربه"الأحزاب التقدمية"الرجوع إلى الماضي، والاستفادة مما سبق من تجارب الأمة الإسلامية في أجيالها الأولى، والعودة إلى قيم الأمة وأخلاقها وثوابتها، وثقافتها وأصولها الحضارية، وهذه مبادئ لا يجوز التخلي عنها، ولا التنكر لها، وتسميتها رجعية للتنفير عنها لا يغير من حقيقتها شيئًا، فأهلًا وسهلًا بالرجعية إذا كان هذا مدلولها، لأنها زادنا الروحي والفكري والأخلاقي والشعائري، ولأنه لا مكانة لنا بين الأمم إذا تخلينا عنها، بل سنصبح أمة ممسوخة مقطوعة لا ماضي لها ولا تاريخ.
خامسًا: لا يستطيع من يرمي الدعوة السلفية بالرجعية أن يعمم هذا اللقب على كل رجوع إلى الماضي، وكل نظرة إلى الخلف، وكل توقف في مستجد؛ إذا كان يستحق التوقف عنده، فيرمي من يوحد الله أو يصلي أو يحج أو يصوم رمضان، أو أراد أن يقرأ القرآن، أو يدرس أحكام الشريعة الإسلامية بأنه رجعي!! وهذه أحكام وأركان لا بد من الرجوع فيها إلى الماضي، وإلى الرعيل الأول لمعرفة كيف نزلت تلك الأحكام، وكيف طبقها السلف، وكيف نطبقها اليوم، ومن تجرأ على رمي أحد بذلك فقد خرج من الإسلام، إذن فقد اتفقنا على قدر مشترك من الرجوع والرجعية.
فنحن نقول: يجب الرجوع في هذا الأمر وغيره إلى كل ما أوجب الله ورسوله، الرجوع إليه في أمور الدين بجوانبه المتعددة من عقيدة وعبادة، وسياسة وأخلاق، وأحكام اجتماعية واقتصادية، وأحكام السلم والحرب، وهم يتحكمون في هذه القضايا بأهوائهم، يأخذون ما يشتهون، ويتركون ما لا يشتهون بحجة العصرنة والتحديث!!
سادسًا: هذا الاصطلاح"روح العصر"فيه إجمال، فما هو المقصود بروح العصر الذي رفضته الدعوة السلفية ولم تتعامل معه؟! أهو روح العصر الإيماني والتعبدي، أم الفكري والعلمي، أم الفني والثقافي، أم الاقتصادي والصناعي، أم العسكري والسياسي، أم ماذا؟