فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 1019

أسباب الاختلاف من عهد النبوة حتى عهد الفقهاء:

إذا سلمنا أن الاختلاف في القضايا الفكرية - التي منها القضايا الفقهية - أمر طبيعي، لما فطر عليه الناس من تباين في عقولهم وأفهامهم ومداركهم، وجب أن نقر بأن الاختلاف في عهد النبوة والخلافة الراشدة بين عديد من الصحابة كان أمرًا واقعًا تشهد له جملة من الأحداث، وليس في نقيه ما يخدم هذا الدين، كما أننا لا نرى في بيانه مساسًا بمثالية هذه الدعوة، وصدق نية أولئك الرجال الذين كانوا يختلفون، بل يمكن أن نقول: إن في ذكر هذه الاختلافات بيانًا لواقعية هذا الدين، فهو يتعامل مع الناس على أنهم بشر، تتنازعهم عوامل مختلفة مما فطر الله - تعالى - خلقه عليه، ولكن الذي تطمئن إليه النفس المؤمنة أن ذلك الاختلاف لم ينشأ عن ضعف في العقيدة، أو شك في صدق ما يدعو إليه رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - بل كان تحري الحق والرغبة في إصابة قصد الشارع من الأحكام بغية جميع المختلفين.

ولما كان الرسول - - صلى الله عليه وسلم - - مصدر تلك الأحكام لم يكن عمر الخلاف يمتد لأطول من الطريق المؤدية إلى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - -، وقد رأينا من خلال الأحداث التي مرت أن أسباب الاختلاف في مجموعها، لم تكن تخرج عن تباين في فهم النص لأسباب لغوية أو اجتهادية، وذلك في تفسير ما بين أيديهم من كتاب الله وسنة رسوله - - صلى الله عليه وسلم - -، ولم تكن هذه الأسباب لتخفي وراءها أية نوايا تحاول إنماء بذرة الخلاف التي كان المنافقون يحرصون على تعهدها.

لذلك سرعان ما كانت هذه الاختلافات تضمحل بلقاء الرسول - - صلى الله عليه وسلم - -، أو الاحتكام إلى نص أدركه بعضهم وغاب عن الآخرين، لأن غاية ذي الفطرة السليمة نشدان الحق حيثما وجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت