610 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية ، (قُتَيْبَةُ) وفي رواية (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاري (عَنْ حُمَيْدٍ) الطويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه.
وهذا الإسناد بعينه قد سبق في باب «خوف المؤمن أن يحبطَ عمله» [خ¦49] .
(أَنَّ النَّبِيَّ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا) أي مصاحبًا للصحابة (قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا) هاهنا خمس نسخ إحداها هذه. والثانية بإسقاط الواو في «يغز» بدلًا من قوله «يكن» . والثالثة من الإغارة مرفوعًا. والرابعة من الإغارة أيضًا، لكن مجزومًا. والخامسة بالدال المهملة، من غدا يغدو مجزومًا، من الغدو بمعنى نقيض الرَّواح.
(حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ) أي ينتظر (فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ) ولم يغر عليهم، (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ) بالهمزة، ويقال غار ثلاثيًا؛ أي هجم (عَلَيْهِمْ) من غير علم منهم.
(قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَخَرَجْنَا) من المدينة متوجِّهًا (إِلَى خَيْبَرَ) غيرُ منصرفٍ،
ج 4 ص 28
وهي بلغة اليهود الحصن، وقد مرَّ ذكر هذا في باب «ما يذكر في الفخذ» [خ¦370] ، فإن البخاري رحمه الله ذكر بعض هذا الحديث هناك
عن أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر، فصلَّينا عندها صلاةَ الغداة بغَلَسٍ، فركب نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر، وإنَّ ركبتي لتمسُّ فخذ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ حسر الإزار عن فخذه حتَّى كأنِّي أنظر إلى بياض فخذ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا دخل القرية قال (( الله أكبر خربت خيبرُ، إنَّا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساءَ صباح المنذَرين ) )قالها ثلاثًا الحديث.
(فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ) أي إلى أهل خيبر (لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) النبيُّ صلى الله عليه وسلم (وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ) زيدِ بنِ سهلٍ، وهو زوج أمِّ أنس رضي الله عنهم. وقال صلى الله عليه وسلم (( لَصوتُ أبي طلحة في الجيش خير من فئة ) )، وروي (( من مئة رجل ) ).
(وَإِنَّ قَدَمِي) بكسر الميم (لَتَمَسُّ) بفتح الميم (قَدَمَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَخَرَجُوا) أي أهل خيبر (إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ) جمع مِكتل _ بكسر الميم _، وهو القفَّة؛ أي الزَّنبيل (وَمَسَاحِيهِمْ) جمع مِسْحاة، وهي المجرفة التي من حديد، (فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا) وفي رواية ؛ أي قائلُهم (مُحَمَّدٌ) أي جاء محمد (وَاللَّهِ) جاء (مُحَمَّدٌ وَالْجَيْش) يروى مرفوعًا على العطف، ومنصوبًا على أنه مفعول معه. ويروى بفتح المعجمة وكسر الميم، وهو بمعنى الجيش، سُمي به؛ لأنه خمسة أقسام قلب، وميمنة، وميسرة، ومقدمة، وساقة.
(قَالَ فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ) إنما قال بخرابها؛ لِمَا رأى في أيديهم من آلات التَّخريب من المساحي وغيرها. وقيل أخذه من اسمها، والأصحُّ أنه أعلمه اللهُ بذلك.
(إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ) السَّاحة البناء، وأصله الفضاء بين المنازل (فَسَاءَ) هي مثل «بئس» من أفعال الذَّم (صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) بفتح الذال المعجمة؛ أي فبئس الصباح صباحهم؛ أي فبئس ما يصبحون.
قال الخطَّابي فيه بيان أنَّ الأذان شعار لدين الإسلام، وأنَّه أمر واجب لا يجوز تركه، ولو أنَّ أهل بلدٍ اجتمعوا على تركه وامتنعوا كان للسُّلطان قتالهم عليه. وهذا أحد أقوال العلماء كما تقدَّم، وهو أحد الأوجه في المذهب.
وأغرب ابن عبد البر فقال لا أعلم فيه خلافًا، وإن قول أصحابنا من نطق بالشهادة في الأذان حُكِم بإسلامه إلَّا إن كان عيسويًا. لا يَرِدُ عليه مطلق حديث الباب؛ لأنَّ العيسويَّة طائفة من اليهود حَدَثَتْ في آخر دولة بني أمية، فاعترفوا بأن محمدًا رسول الله، لكن إلى العرب فقط، وهم منسوبون إلى رجل يقال له أبو عيسى أحدَثَ لهم ذلك، والله أعلم.
وقال التَّيميُّ وإنما يُحقن الدَّمُ بالأذان؛ لأنَّ فيه الشَّهادة بالتَّوحيد، والإقرار بالنَّبي صلى الله عليه وسلم.
قال وهذا لمن قد بلغته الدَّعوة، وكان يُمسِك عن هؤلاء
ج 4 ص 29
حتى يسمعَ الأذان؛ ليعلم أكانوا مجيبين للدَّعوة أم لا؟
لأنَّ الله تعالى وعدَه إظهارَ دينهِ على الدين كلِّه، وكان يطمعُ في إسلامهم، ولا يلزم اليوم الأئمة أن يكفُّوا عمَّن بلغته الدَّعوة لكي يسمعوا أذانًا؛ لأنَّه قد عُلِم غائلتهم للمسلمين، فينبغي أن ينتهزَ الفرصة فيهم.
وفيه جواز الإرداف على الدَّابة إذا كانت مطيقة. وفيه استحباب التَّكبير عند لقاء العدو. وفيه جواز الاستشهاد بالقرآن في الأمور المحقَّقة، ويكره ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات ولغو الحديث تعظيمًا لكتاب الله تعالى. وفيه أنَّ الإغارة على العدو يُستحبُّ كونها في أوَّل النهار؛ لأنه وقت غفلتهم، بخلاف ملاقاة الجيوش. وفيه أنَّ النُّطق بالشهادتين يكون إسلامًا على ما قاله الكرماني، وفيه خلاف مشهور، والله أعلم.
ثم إنَّه قد أخرجَ هذا الحديثَ المؤلِّفُ في الجهاد أيضًا [خ¦2943] ، وأخرج مسلم طرفه المتعلِّق بالأذان.