6206 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عُيينة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (رِوَايَةً) نصب على التَّمييز؛ أي من حيث الرِّواية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه (قَالَ أَخْنَعُ اسْمٍ) بالعين؛ أي أشدُّ ذلًّا، وقد مرَّ تفصيله [خ¦6205] .
(عِنْدَ اللَّهِ) وفي الرِّواية السَّابقة (( يوم القيامة ) ) [خ¦6205] ، وكذا عند أبي داود والتِّرمذي في روايتهما، والتَّقييد بيوم القيامة مع أنَّ حكمه في الدُّنيا كذلك، للإشعار بترتُّب ما هو مسبب [عنه] من إنزال الهوان وحلول العقاب (وَقَالَ سُفْيَانُ) أي ابن عيينة بالسَّند السَّابق (غَيْرَ مَرَّةٍ) أي مرارًا متعدِّدة، وهذا اللَّفظ يستعملُ كثيرًا في إرادة الكثرة (أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ) بالعين (عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلاَكِ) وزاد ابن أبي شيبة في روايته عند مسلمٍ (( لا مالك إلَّا الله ) )وهو استئنافٌ لبيان تعليل [تحريم] التَّسمي بهذا الاسم، فنفى جنس الملاك بالكليَّة؛ لأنَّ المالك الحقيقي ليس إلَّا هو، ومالكيَّة الغير عارية مستردَّة إلى مالك الملوك، فمن تسمَّى بهذا الاسم نازعَ الله في رداءِ كبريائه، واستنكفَ أن يكون عبدًا لله تعالى، فيكون له الخزي والنَّكال.
(قَالَ سُفْيَانُ) أيضًا (يَقُولُ غَيْرُهُ) أي غير أبي الزِّناد (تَفْسِيرُهُ) أي بالفارسيَّة (شَاهَانْ شَاهْ) بشين معجمة مفتوحة فألف فهاء فألف فنون ساكنة، ومعناه ملك الأملاك؛ لأنَّ شاهان الأملاك؛ لأنَّه جمع شاه، وشاه مفرد، كذا ثبت لفظ تفسيره في رواية الكُشميهني.
وحكى القاضي عياض عن بعض الرِّوايات شاهٍ شاهٍ بالتَّنوين بغير إشباعٍ في الأول، والأصل هو الأولى، وهذه الرِّواية تخفيف منها، وزعم بعضُهم أنَّ الصَّواب شاه شاهان، وليس كذلك لأنَّ قاعدة العجم تقديمُ المضاف إليه على المضاف، فإذا أرادوا قاضي القضاة، قالوا موبذان موبذ،
ج 26 ص 186
فمُوبذ هو القاضي، وموبذان جمعه، فكذا شاه هو الملك، وشاهان جمعه، وهو الملوك.
وزاد الإسماعيلي من رواية محمَّد بن الصَّبَّاح عن سفيان مثل ملك الصِّين، ووقع عند أحمد عن سفيان قال سفيان مثل شاهان شاه، فلعلَّ سفيان قاله مرةً نقلًا، ومرةً من قبل نفسه.
وقد تعجَّب بعض الشُّراح من تفسير سفيان بن عيينة اللَّفظة العربيَّة باللَّفظة العجميَّة، وأنكر ذلك آخرون، وهو غفلةٌ منهم عن مراده، وذلك أنَّ لفظ شاهان شاه، كان قد كثرت التَّسمية بذلك في ذاك الزَّمان فنبَّه سفيان على أنَّ الاسم الَّذي ورد الخبر بذمِّه لا ينحصرُ في ملك الأملاك، بل كلُّ ما أدَّى معناه بأيِّ لسانٍ كان، فهو مراد بالذَّم، واستدلَّ بهذا الحديث على تحريم التَّسمي بهذا الاسم لورود الوعيد الشَّديد.
ويلتحق به أيضًا ما في معناه مثل خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السَّلاطين، وأمير الأمراء، وقيل يلتحق به أيضًا من تسمَّى بشيءٍ من أسماء الله تعالى الخاصَّة به كالرَّحمن والقدوس والجبَّار، وهل يلتحقُ به من تسمَّى قاضي القضاة، أو حاكم الحكَّام؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال الزُّمخشري في قوله تعالى {أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود 45] أي أعدل الحكَّام وأعلمهم إذ لا فضل لحاكمٍ على غيره إلَّا بالعلم والعدل، قال وربَّ غريقٍ في الجهل والجور من مقلدي زماننا قد لقب أقضى القضاة، ومعناه أحكم الحاكمين، فاعتبر واستعبر.
وتعقَّبه ابنُ المُنيِّر بحديث (( أقضاكم علي ) )قال فيستفادُ منه أن لا حرج على من أطلق على قاضٍ يكون أعدل القضاة أو أعلمهم في زمانه أقضى القضاة، أو يريد إقليمه أو بلده، ثمَّ تكلَّم في الفرق بين قاضي القضاة، وأقضى القضاة، وفي اصطلاحهم أنَّ الأوَّل فوق الثَّاني، وقد تعقَّبَ كلامَ ابن المُنيِّر علمُ الدِّين العراقي، فصوَّب ما ذكره الزُّمخشري من المنع، وردَّ ما احتجَّ به من قضيَّة علي رضي الله عنه بأنَّ التَّفصيل في ذلك وقع
ج 26 ص 187
في حقِّ من خُوطب به، ومن يلتحقُ بهم فليس مساويًا لإطلاق التَّفصيل بالألف واللام، قال ولا يخفى ما في إطلاق ذلك من الجراءة وسوء الأدب، ولا عبرةَ بقول من ولي القضاء، فنعت بذلك فاحتال في الجواز، فإنَّ الحقَّ أحقُّ أن يتبعَ، انتهى كلامه.
ومن النَّوادر أنَّ القاضي عز الدِّين ابن جماعة، قال إنَّه رأى أباه في المنام، فسأله عن حاله، فقال ما كان عليٌّ أضر من هذا الاسم، فأمر المرقِّعين أن لا يكتبوا له في الإسجالات قاضي القضاة بل قاضي المسلمين.
قال الحافظ العَسقلاني وفهم من قول أبيه أنَّه أشار إلى هذه التَّسمية مع احتمال أنَّه أشار إلى الوظيفة بل هو الَّذي يترجَّح عندي، فإنَّ التَّسمية بقاضي القضاة، وجدت في العصر القديم من عهد أبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله.
قيل أوَّل من تسمَّى قاضي القضاة أبو يوسف، وفي زمنه كان أساطين الفقهاء والعلماء والمحدِّثين فلم ينقل عن أحدٍ منهم إنكار ذلك، وقد منعَ الماوردي من جواز تلقيب الملك الَّذي كان في عصره بملك الملوك مع أنَّ الماوردي كان يقال له أقضى القضاة، وكأنَّ وجه التَّفرقة بينهما الوقوف مع الخبر وظهور إرادة العهد الزَّماني في القضاة.
وقال الشَّيخ أبو محمَّد ابن أبي جمرة يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة، وإن كان اشتهر في بلاد الشَّرق من قديم الزَّمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سلم أهل الغرب من ذلك فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة.
قال وفي الحديث مشروعيَّة الأدب في كلِّ شيءٍ؛ لأنَّ الزَّجر عن ملك الأملاك والوعيد عليه يقتضي المنع منه مطلقًا، سواء أراد من تسمَّى بذلك أنَّه ملك على ملوك الأرض أم على بعضها، وسواء كان محقًّا في ذلك أم مبطلًا، مع أنَّه لا يخفى الفرق بين من قصد ذلك وكان فيه صادقًا، ومن قصده وكان فيه كاذبًا.
وقال العينيُّ يمنع أن يقال أقضى القضاة؛ لأنَّ معناه أحكم الحاكمين، وهذا أبلغُ من قاضي القضاة؛ لأنَّه أفعل التَّفضيل، قال ومن جهل أهل هذا الزَّمان من مسطري سجلات القضاة يكتبون للنَّائب أقضى القضاة، وللقاضي الكبير قاضي القضاة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة كسابقه.
ج 26 ص 188