50 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مُسَرْهِدٍ، وقد مر ذكره في باب «من الإيمان أن يحب لأخيه» [خ¦13] ا هـ
ج 1 ص 350
(قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهم، مولى بني أسد المشهور بابن عُلَيَّة _ بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء _ وكانت امرأة عاقلة نبيلة، وكان وجوه أهل البصرة وفقهاؤها يدخلون عليها فتبرز لهم وتحادثهم وتسائلهم، وقد سبق ذكره في باب «حبِّ الرسول» [خ¦10] .
(أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) ؛ بفتح الحاء وتشديد الياء التحتانية، واسمه يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي (التَّيْمِيُّ) نسبة إلى تيم الرباب، قال أحمد بن حنبل هو ثقة صالح، مبرز، صاحب سنة، وروى عنه أيوب والأعمش وهما تابعيان، وهو ليس بتابعي وهذه فضيلة، مات سنة خمس وأربعين ومئة.
(عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجلي، وقد تقدم في باب «الجهاد من الإيمان» [خ¦36] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها أن إسماعيل بن إبراهيم ذكره البخاري في باب «حب الرسول» [خ¦15] بكنيته حيث قال «حدثنا ابن علية» ، وذكره هنا باسمه، وهذا دليل على كمال ضبطه وأمانته حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه وأداه كما سمعه، ومنها أن فيه راويًا غير تابعي، قد روى عنه تابعيان كبيران كما تقدم.
وقد أخرج متنه المؤلف في «التفسير» [خ¦4777] وفي «الزكاة» مختصرًا [خ¦1396] ، وأخرجه مسلم في «الإيمان» ، وابن ماجه في «السنة» بتمامه، وفي «الفتن» ببعضه، وأبو داود في «السنة» ، والنسائي في «الإيمان» ، وكذا الترمذي وأحمد في (( مسنده ) )والبزار بإسناد حسن، وأبو عَوانة في (( صحيحه ) )، وأخرجه مسلم أيضًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يخرجه البخاري عنه؛ لاختلاف فيه على بعض رواته.
(قَالَ كَانَ النَّبِيُّ) ؛ وفي رواية (صلى الله عليه وسلم بَارِزًا) أي ظاهرًا، والبروز الظهور وكل ما ظهر بعد خفاء فقد برز قال تعالى {وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} [الكهف 47] أي ظاهرة ليس فيها مستظل ولا متفيئًا (يَوْمًا) نصب على الظرفية (لِلنَّاسِ) جالسًا معهم غير محتجب عنهم، وفي رواية أبي داود عن أبي فروة كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأله، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه قال فبنينا له دكانًا من طين يجلس عليه وكنا نجلس بجنبيه»، واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به ويكون مرتفعًا إذا احتاج لذلك؛ لضرورة تعليم ونحوه.
(فَأَتَاهُ رَجُل) ؛ أي ملك في صورة رجل كما في رواية وهو جبريل عليه السلام، وفي «التفسير» للمؤلف (( إذ أتاه رجل يمشي ) ) [خ¦4777] ، ولأبي فروة عند النسائي (( فإنا لَجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لم يمسها دنس ) ). ولمسلم من طريق كَهْمَس من حديث عمر رضي الله عنه (( بينا نحن ذات يوم
ج 1 ص 351
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، وفي رواية ابن حبان شديد سواد اللحية، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه )) ، ولسليمان التيمي (( ليس عليه سحناء سفر وليس من البلد، فتخطَّى حتى برك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم ) ).
والسَّحْنَاء _ بفتح السين والحاء المهملتين والنون _ هي الهيئة وكذلك السحَنَة بالتحريك، وقال أبو عبيد لم أسمع أحدًا يقولها، أعني السَّحَنَاء بالتحريك غير الفراء، ورواية سليمان هذه تعين أن الضمير في «فخذيه» يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا كما قال النووي بأنه يرجع إلى نفس جبريل، وتبعه التوربشتي شارح (( المصابيح ) )حيث حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه، وهذا وإن كان ظاهرًا من السياق وهو الموافق للأدب لكن في وضعه يديه عليه السلام على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم؛ تنبيه للإصغاء إليه، وإشارة لما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح عما يبدو من جفاء السائل، ومبالغة في تعمية أمره؛ ليقوي ظن الحاضرين بأنه من جُفاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، ولهذا استغربت الصحابة رضي الله عنهم صنيعه، فإن قيل كيف عرف عمر رضي الله عنه أنه لم يعرفه أحد منهم؟ أُجيب بأنه يحتمل أن يكون استند إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين؛ لِما في رواية عثمان بن غياث، «فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا ما نعرف هذا» .
هذا وقد أفاد مسلم سبب ورود هذا الحديث فعنده في أوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( سلوني ) )فهابوا أن يسألوه فجاء رجل فجلس عند ركبته.
ووقع في رواية ابن أبي منده من طريق يزيد بن زُريع عن كَهْمَس «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ جاء رجل، فكأنَّ أَمْرَهُ لهم بسؤاله وقع في خطبته» ، وظاهره أن مجيء الرجل كان في حال الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها أو كان ذكر ذلك
ج 1 ص 352
القَدْرِ جالسًا وعبر عنه الراوي بالخطبة.
(فَقَالَ مَا الإِيمَانُ؟) ؛ زاد المصنف في «التفسير» (( يا رسول الله، ما الإيمان؟ ) ) [خ¦4777] فإن قيل كيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟ أجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك للمبالغة في تعمية أمره، أو لبيان أن ذلك غير واجب، أو سلم ولم ينقله الراوي كما ثبت في رواية أبي فروة بعد قوله «كأنَّ ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط فقال السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام فقال أَدْنُو يا محمد قال (( أُدنُ ) )فما زال يقول أَدنو مرارًا ويقول له (( أُدن ) ).
وجاء نحوه في رواية عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما لكن قال (( السلام عليك يا رسول الله ) )، وفي رواية مطر الوراق «فقال يا رسول الله، أَدنوا منك؟ قال (( أُدن ) )ولم يذكر السلام، فاختلفت الرواية هل قال له يا محمد، أو يا رسول الله، أو هل سلم أو لا؟
فأما السلام فمن ذكره مقدَّم على من سكت عنه، وعلى تقدير أنه قال يا محمد أراد تعمية حاله فصنع صنيع الأعراب كما قاله القرطبي، ويجمع بين الروايتين بأنه بدأ أولًا بندائه باسمه لهذا المعنى الذي مر آنفًا، ثم خاطبه بقوله يا رسول الله، ووقع عند القرطبي أنه قال السلام عليكم يا محمد، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام، ثم يخصص من يريد تخصيصه.
قال الحافظ العسقلاني والذي وقفت عليه من الروايات إنما هو الإفراد وهو قوله «السلام عليك يا محمد» ، أو «يا رسول الله» ، قيل وإنما قدم السؤال عن الإيمان؛ لأنه الأصل وثنَّى بالإسلام؛ لأنه يظهر مصداق الدعوى، وثلَّث بالإحسان؛ لأنه متعلق بهما، وقد وقع في رواية عمارة بن القعقاع بدأ بالإسلام وقالوا إنما بدأ بالإسلام؛ لأنه بالأمر الظاهر، وثنَّى بالإيمان لأنه بالأمر الباطن، ورجح الطِّيبي هذا؛ لما فيه من الترقي، ووقع في رواية مطر الوراق بدأ بالإسلام وتثنية بالإحسان وتثليث بالإيمان، ولا شك أن القصة واحدة اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، فافهم.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ) أي تصدق بوجوده وبصفاته الواجبة له تعالى، دل جوابه صلى الله عليه وسلم على أنه عليه السلام علم أن سؤاله كان عن متعلِّقات
ج 1 ص 353
الإيمان، وإلا لم يكن الجواب مطابقًا للسؤال، فإن قيل السؤال عن الإيمان عام وكذا عن الإسلام والإحسان، والجواب خاص حيث قال (( أن تؤمن وأن تعبد ) )بالخطاب للمعيَّن؛ فالجواب أنه ليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين للحكم في حقهم وحق من أشبههم من المكلفين الصالحين للخطاب، وقد بيَّن ذلك بقوله في آخر الحديث (( جاء يعلم الناس دينهم ) )وليس هو تعريفًا للشيء بنفسه، بل المراد هو أن الإيمان الشرعي تصديق مخصوص، وإنما أعاد لفظ الإيمان ولم يكتف بقوله (( أن تؤمن بالله ) )؛ للاعتناء بشأنه كما في قوله تعالى {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس 79] في جواب {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس 78] .
وقال الطِّيبي قوله (( أن تؤمن ) )يوهم التكرار وليس كذلك فإنه مضمن معنى أن تعترف ولهذا عدَّاه بالباء؛ وقال الحافظ العسقلاني التصديق أيضًا يُعدَّى بالباء فلا يحتاج إلى دعوى التضمين؛ وتعقبه محمود العيني بأن تعدية التصديق بالباء لا تمنع دعوى تضمين الإيمان معنى الاعتراف حتى لا يحتاج إلى دعوى التضمين.
(وَمَلاَئِكَتِهِ) ؛ جمع ملَك أصله ملاك على وزن مفعل من الألوكة بمعنى الرسالة، وزيدت التاء في جمعه؛ لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم أجسام علوية نورانية متشكلة بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى عباد مكرمون، وتقديمهم على الرسل؛ نظرًا للترتيب الواقعي، إذ وجود الملائكة قبل إرسال الرسل، ولا متمسك فيه لمن فضل الملائكة على الرسل.
(وَ) أن تؤمن، (بِلِقَائِهِ) ؛ أي برؤية الله تعالى في الآخرة، قاله الخطابي، واعترض عليه النووي بأن أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى فإنها مختصة لمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بم يختم له فكيف يكون من شروط الإيمان؟. وأجاب عنه الكرماني بأنه لا دخل لقطعه لنفسه بها بل اللازم أن يقطع بأنها حق في نفس الأمر، وعلى هذا يكون من الأدلة لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، وقيل المراد منه هو الانتقال من دار الدنيا، وقيل المراد ما يكون بعد البعث عند الحساب، وعلى كل تقدير لا يلزم التكرار مع البعث إذ المراد بالبعث هو القيام من القبور.
(وَرُسُلِهِ) ؛ وفي رواية ووقع في حديث ابن عباس وأنس رضي الله عنهم «والملائكة والكتاب والنبِّيين» ، وكل من السياقين واقع في القرآن، والتعبير بالنبِّيين
ج 1 ص 354
يشمل الرسل من غير عكس، والفرق على الوجه الأصح من وجوه الفرق أن الرسول من أنزل عليه كتاب، أو نزل عليه مَلَك، والنبي من أوحي إليه سواء أنزل عليه كتاب أو نزل عليه ملك أو لا، فكل رسول نبي من غير عكس، والتصديق بالنبيين كلهم واجب، وتخصيص الرسل بالذكر؛ لشرفهم ومزيتهم على من ليس برسل لا ينافي وجوب التصديق بمن هو نبي وليس برسول. والإيمان بهم هو التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى وأن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم بلَّغوا عن الله رسالاته وبينوا للمكلفين ما أمرهم ببيانه، وأنه يجب احترامهم، وأن لا نفرق بين أحد منهم.
ودل الإجمال في الملائكة والرسل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل إلا من ثبت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين، فإن قيل الإيمان بالكتب أيضًا واجب فلِمَ تركه؟. أجيب استغنى بذكر الإيمان بالرسل عن ذكر الإيمان بالكتب؛ لأنَّ الإيمان بهم مستلزم للإيمان بما أنزل عليهم، على أنه مذكور في رواية الأصيلي هنا، وقد اتفق الرواة على ذِكرها في «التفسير» ، ثم الإيمان بكتب الله هو التصديق بأنها كلام الله وأن ما تضمنته حق.
(وَ) أن (تُؤْمِنَ) ؛ أي تُصدِّق (بِالْبَعْثِ) والمراد بالبعث بعث الموتى من القبور، وما يترتب عليه من الحساب والميزان والجنة والنار، وقد وقع التصريح بذكر الأربعة في رواية سليمان التَّيمي، وفي حديث ابن عباس أيضًا، وزاد في «التفسير» لفظ (( الآخر ) )، ولمسلم في حديث عمر (( واليوم الآخر ) ).
فأما البعث الآخر فقيل ذاك الآخر؛ تأكيدًا كقولهم أمس الذاهب. وقيل لأن البعث وقع مرتين الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة والعلقة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور إلى محل النشور.
وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا أو آخر الأزمنة المحدودة، وإنما أعاد لفظ «تؤمن» عند ذكر «البعث» ؛ إشارة إلى أنه نوع آخر مما يؤمن به؛ لأن البعث سيوجد فيما بعد وما ذكر قبله موجود الآن، أو للتنويه بذكره؛ لكثرة من كان ينكره من الكفار، ولهذا كَثُر تكراره في القرآن.
هذا وقد زاد الإسماعيلي هنا (( وتؤمن بالقدر ) )،
ج 1 ص 355
وكذا لمسلم من رواية عمارة بن القعقاع «وأكده بقوله كله» ، وفي رواية كَهْمَس وسليمان التيمي (( وتؤمن بالقدر خيره وشره ) )، وفي رواية عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما بزيادة (( وحلوه ومُرِّه من الله تعالى ) )، ولعلَّ الحكمة في إعادة «تؤمن» عند ذكر «القدر» أيضًا؛ هي الإشارة إلى ما يقع فيه من الاختلاف، فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة «تؤمن» ، ثمَّ تأكيده بقوله «كله» وبقوله «خيره وشره» ، وزيادة قوله «وحلوه ومره من الله تعالى» على ما في الروايات.
والقدر مصدر قدَرْت الشيء _ بتخفيف الدال المفتوحة أقدره بالكسر والفتح _ قدرًا بالتحريك، وقدْرًا بالإسكان بمعنى أحطت بمقداره، والمراد أنَّ الله تعالى عَلم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد فكل محدث صادر عن علمه وقدرته، هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة، وأول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني.
وقد سئل عبد الله بن عمر عن من يقول بعدم كون الباري عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، فأخبر بأنه بريء ممن يقول بذلك، وأن الله تعالى لا يقبل ممن لم يؤمن بالقدر عملًا، قال القرطبي وغيره «قد انقرض هذا المذهب، ولا نعرف أحدًا ينسب إليه من المتأخرين» قال و «القدرية اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من المذهب الأول» .
ثم إنهم يقولون إن من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى أَوْلى باسم القدرية؛ لأن مثبت القدر أحق أن يثبت إليه من نافيه، وإنّا نقول كما يصح نسبة مثبتيه إليه يصح نسبة النافي أيضًا إذا بالغ في نفيه؛ لأنه ملتبس به، ولا يمكن حمل القدرية على مثبتيه؛ لأنه يَرُدُّه قوله صلى الله عليه وسلم (( القدرية مجوس هذه الأمة ) )فإنه يقتضي مشاركتهم للمجوس فيما اشتهروا به من إثبات خالقَين،
ج 1 ص 356
والنافون له هم المشاركون لهم في تلك الصفة المشهورة حيث يجعلون العبد خالقًا لأفعاله، وينسبون القبائح والشرور إليه دون الله سبحانه، وَيُردُّه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم في حق القدرية (( هم خصماء الله ) )ولا خصومة للقائل بتفويض الأمور كلها إليه تعالى، وإنما الخصومة لمن يعتقد أنه على ما لم يرد الله بل يكرهه.
ثم إن المتأخرين منهم أنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد؛ فرارًا من تعلق القديم بالحادث وهم مخصومون بما قال الشافعي «إن سلم القدري العلم خُصِم» ؛ يعني يقال له أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم، فإن منع وافق قول السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل تعالى الله عن ذلك، كذا في (( فتح الباري ) ).
ثم إن ظاهر الحديث يدل على أن المؤمن لا يطلق إلا على من صدَّق بجميع ما ذُكر، وقد اكتفى الفقهاء في إطلاق المؤمن بالإيمان بالله ورسوله، فالتوفيق بأن الإيمان بالرسول هو الإيمان به وبما جاء عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك، والله أعلم.
(قَالَ) ؛ أي ذلك الرجل الذي هو جبريل عليه السلام يا رسول الله (مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ) ؛ وفي رواية زيادة قيل إن كان المراد بالعبادة معرفة الله تعالى وتوحيده فلا يحتاج إلى قوله (( ولا تشرك به شيئًا ) )وإن كان المراد الطاعة مطلقًا فيدخل فيه جميع الوظائف، فما الفائدة بعد ذلك في ذكر الصلاة والزكاة والصوم؟ وأجيب بأن المراد النطق بالشهادتين كما صرح بذلك في حديث عمر رضي الله عنه حيث قال (( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ) )، ولمَّا عبَّر الراوي عنه بالعبادة احتيج أن يوضح ذلك بقوله «ولا تشرك به» ، ولم يحتج إليه في رواية عمر رضي الله عنه؛ لاستلزامها ذلك، أو أن المراد مطلق الطاعة فَذِكْرُ الصلاة وغيرها يكون من باب عطف الخاص على العام، وأما الشق الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية.
(وَ) أن (تُقِيمَ الصَّلاَةَ) ؛ أي المكتوبة، وقد زادها مسلم؛ أي المفروضة وإنما عبر بالمكتوبة؛ تفنُّنًا في العبادة فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة
ج 1 ص 357
واتباعًا لقوله تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء 103] ، وهذا القيد احتراز عن النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام لكنها ليست من أركانه، فيحمل المطلقة هنا على المقيدة هاهنا جمعًا بين الروايتين.
(وَ) أن (تُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ) ؛ قيل احترز بها عن الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها ليست مفروضة حال الأداء، وقيل هو احتراز من صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية، وقيل كانت العرب تدفع المال للسخاء والجود، فنبه بالفرض على رفض نية ما كانوا عليه.
(وَ) أن (تَصُومَ رَمَضَانَ) ؛ قيل وإنما لم يذكر الحج؛ لأنه لم يكن فرضًا حينئذ، وهو مردود بما رواه ابن منده في كتاب (( الإيمان ) )بإسناده الذي على شرط مسلم من طريق سليمان التيمي من حديث عمر رضي الله عنه أوله (( أن رجلًا في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. .. ) )فذكر الحديث بطوله، وهذا يدل على أنه جاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في مجلس واحد لتضبط، والصواب أن الحج قد ذُكِرَ، ولكن تَرْكَهُ من الرواة إما ذهولٌ وإما نسيانٌ، ويدل على ذلك اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كَهْمَس (( وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا ) )، وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة والزكاة حسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس رضي الله عنهما غير الشهادتين.
وذكر سليمان التيمي في روايته الجميع، وزاد بعد ذلك (( وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتيمم الوضوء ) )، وقد وقع التفريق بين الإيمان والإسلام في هذا الحديث، وقد تقدم غير مرة أن الإيمان والإسلام والدين عند البخاري عبارات عن معبَّر واحد. [خ¦8]
فقال محيي السنة جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم
ج 1 ص 358
(( أتاكم جبريل يعلمكم دينكم ) )، فالتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا.
وقال ابن الصلاح ما في الحديث بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطني، والأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهري، ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات التصديق الباطني الذي هو أصل الإيمان، ولهذا فسر الإيمان في حديث الوفد بما هو الإسلام هاهنا، واسم الإسلام أيضًا يتناول أصل الإيمان وهو التصديق الباطني، ويتناول الطاعات فإن ذلك كله إسلام فتحقق بما ذكر أنهما يجتمعان ويفترقان، ومحصل كل واحد من القولين قريب من الآخر كما لا يخفى على من تدبر.
(قَالَ) ؛ أي جبريل عليه السلام، (مَا الإِحْسَانُ؟) ؛ الإحسان يتعدى بنفسه وبحرف الجر تقول أحسنت كذا إذا أتقنته وكملته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد في الحديث، وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلًا يحسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود، وقد أشار صلى الله عليه وسلم في الجواب إلى مقامين الأول مقام المشاهدة وهو أرفعهما وهو أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه بعينه، وإليه أشار بأن (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم
(أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) حال كونك في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) والثاني مقام المراقبة وإليه أشار بقوله صلى الله عليه وسلم (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) سبحانه وتعالى فاستمِر على إحسان العبادة (فَإِنَّهُ) عز وجل (يَرَاكَ) دائمًا مستمرًا سواء وجدت من العبد رؤية أو لا، فالجواب هو المقدر في الحقيقة، لكن أقيمت علة الجزاء مقام الجزاء وكلا المقامين يثمرهما معرفة الله تعالى وخشيته، وقد عبر في رواية عمارة بن القعقاع بقوله (( أن تخشى الله كأنك تراه ) )وكذا في حديث أنس رضي الله عنه.
واعلم أن للعبد في العبادة ثلاثة مقامات
الأول أن يفعل العبادات على الوجه الذي يسقط عنه التكليف باستيفاء الشرائط والأركان.
والثاني أن يفعلها كذلك، وقد استغرق في بحار المكاشفة حتى كأنه يرى الله تعالى، وهذا مقامه صلى الله عليه وسلم كما قال (( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) )لحصول الاستلذاذ بالطاعة، والراحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه، وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب
ج 1 ص 359
من المحبوب واشتغال السر به.
والثالث أن يفعلها وقد غلب عليه أن الله تعالى يشاهده، وكل من المقامات الثلاثة إحسان إلا أن الإحسان الذي هو شرط صحة العبادة إنما هو الأول، والمقامان الأخيران إنما هو من صفة الخواص ويتعذران من كثيرين سيما الأول منهما، ثم الثاني منهما على ثلاثة أقسام
القسم الأول مقام الإسلام وذلك ثلاثة أقسام؛ لأن الأمور في عالم الجنس ثلاثة أنواع معاصٍ، وطاعات، ومباحات، أما المعاصي على اختلاف أنواعها فالإحسان فيها أن يعلم العبد أن الله يراه فإذا همَّ بمعصية وعَلِم أن الله يراه ويبصره على أي حالة كان، وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور كفَّ عن المعصية ورجع عنها كما إذا علم وتحقق أن والده أو أستاذه أو رجلًا كبيرًا يراه حين المعصية لَكَفَّ عنها وهرب منها، وهو البرهان الإحساني الذي أوتيه ورآه يوسف عليه السلام، وهو قيام الدليل الواضح العلمي بأن الله تعالى موجود حق، وأنه ناظر إلى كل شيء، ومصرف لكل شيء ومحركه ومسكنه، فمن أراه الله تعالى هذا البرهان عند جميع المهمات صَرَف عنه السوء والفحشاء.
وأما الطاعات فالإحسان فيها أن يعلم أن الله تعالى موجود حقًا، وأنه يراه لا محالة إلا أن يكون زنديقًا جاحدًا لا يُقِرُّ برب، فإذا كان مقرًا بوجوده فَتَركَ العبادة فإنما يتركها تهاونًا؛ لنقصان البرهان الإحساني عنده، وهذه حالة المضيِّعين للفرائض؛ لجهلهم بقدر الأمر وقدر آمره.
وأما المباحات فالإحسان فيها أن يتذكر العبد أن الله تعالى يراه في تصرفه، وأنه أَمَرَهُ بالإقبال عليه وقلة الإعراض عنه، فإذا تذكر ذلك استحيى أن يراه مكبًا على الأمر الخسيس الفاني مستغرقًا في الاشتغال به عن ذِكره وعن الإقبال إلى ما يقطع عنه.
والقسم الثاني مقام عالم الغيب وذلك أن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة من موت وقبر وحشر وحساب وغير ذلك، وعلم أنه معروض على الله تعالى في ذلك العالم تهيأ لذلك العرض فيتزين للآخرة بزينة أهلها ما استطاع.
والقسم الثالث مقام السر وذلك أن العبد إذا علم أن سره موضع نظر الله
ج 1 ص 360
تعالى وجب عليه تصفية سره لمولاه، وإصلاح ذلك وتخليته عما يكرهه الله تعالى من الصفات المهلكات، وتطهيره منها وتحليته بالصفات الحميدة حتى يجعل سره كالمرآة المجلوة.
قال النووي قوله صلى الله عليه وسلم (( كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) )أصل عظيم من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين.
وتلخيص معناه أن تعبد الله تعالى عبادة من يرى الله تعالى، ويراه الله تعالى فإنه لا يستبقي شيئًا من الخضوع والإخلاص وحفظ القلب والجوارح ومراعاة الآداب ما دام في عبادته، وإن لم تكن تراه فإنه يراك؛ يعني إنك إنما تراعي الآداب إذا رأيته ورآك لكونه يراك لا لكونك تراه، وهذا المعنى موجود وإن لم تره؛ لأنه يراك.
وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة، ونهاية المراقبة فيها، وقال هذا من جوامع الكلم التي أوتيه صلى الله عليه وسلم، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص؛ احترامًا لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعًا عليه في سره وعلانيته.
وقال القاضي عياض قد اشتمل هذا الحديث على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه.
قيل وفيه دليل على أن رؤية الله تعالى في الدنيا بالإبصار غير واقعة، وأما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فذلك لدليل آخر، كذا قيل، وتعقب ذلك بأن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل لم تكن في دار الدنيا، بل كانت في عالم الملكوت العليا، والدنيا لا تطلق عليها، والدليل الصريح على عدم وقوع رؤية الله تعالى بالإبصار في الدنيا ما رواه مسلم من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم (( واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ) ).
وأما الرؤية في الآخرة فمذهب أهل الحق أنها واقعة بالأبصار، وأما خروج شعاع وانطباع صورة المرئي في الحدقة والمواجهة، ورفع الحجب فشروط للرؤيا عادةً في الدنيا، وأما في الآخرة فيجوز أن يكون الله تعالى
ج 1 ص 361
مرئيًا لنا إذ هي حالة يخلقها الله تعالى في الحاسة فتحصل بدون هذه الشروط، ولهذا جوَّز الأشاعرة أن يرى أعمى الصين بقة أندلس، وقد ادعى بعض غلاة الصوفية جواز رؤية الله تعالى بالأبصار في عالم الدنيا وقال في قوله (( فإن لم تكن تراه ) )إشارة إلى مقام المحو والفناء، وتقديره فإن لم تَصِرْ شيئًا وفنيت عن نفسك حتى كأنك ليس بموجود فإنك حينئذ تراه، وهذا كما قيل تأويل فاسد يرده رواية كهمس فإن لفظها (( فإنك إن لا تراه فإنه يراك ) )، ورواية أبي فروة أيضًا فإن لفظها (( فإن لم تره فإنه يراك ) )فإن في هاتين الروايتين قد سلط النفي على الرؤية لا على الكون، ورده بعضهم بقوله لو كان المراد ما زعموا لكان قوله (( تراه ) )محذوف الألف؛ لأنه يصير مجزومًا؛ لكونه على تأويلهم جواب الشرط ولم يجيء حذف الألف في شيء من طرق هذا الحديث. وهذا الجواب لا يقطع به شغبهم إذ لهم أنْ يقولوا «الجزاء» جملة حذف صدرها تقديره فأنت تراه، والجزم في الجملة لا يظهر والمقدر كالملفوظ.
فائدة زاد مسلم في رواية عمارة بن القعقاع قول السائل «صدقت» عقيب كل جواب من الأجوبة الثلاثة، وزاد أبو فروة في روايته (( فلما سمعنا قول الرجل صدقت، أنكرناه ) ). وفي رواية كَهْمَس (( فعجبنا له يسأله ويصدقه ) )، وفي رواية مطر الوراق (( انظروا إليه كيف يسأله وهو يصدقه كأنه أعلم منه ) )، وفي رواية سليمان بن بريدة (( قال القوم ما رأينا رجلًا مثل هذا كأنه يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول صدقت، صدقت ) ).
قال القرطبي إنما عجبوا من ذلك؛ لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عُرِفَ بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف بما يسأل عنه؛ لأنه يخبره بأنه صادق فيه فتعجبوا من ذلك تعجب المستبعد لذلك، والله أعلم.
(قَالَ) أي جبريل عليه السلام (مَتَى السَّاعَةُ؟) وفي بعض النسخ فإن صحَّت فالفاء فصيحة؛ أي إذا أجبت عما سئلت جوابًا حقًا فمتى الساعة؛ أي متى تقوم القيامة وهي من الأسماء الغالبة، وإطلاقها عليها إما لوقوعها بغتة أو لسرعة
ج 1 ص 362
حسابها، أو لأنها على طولها عند الله كساعة كما مر.
(قَالَ مَا) أي ليس (الْمَسْؤُولُ) وزيد في رواية ، وفي رواية أبي فروة (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) زيدت الباء؛ لتأكيد معنى النفي، والمراد نفي علم وقتها؛ لأن مجيئها ووقوعها مقطوع به، وهذا وإن كان مشعرًا للتساوي في العلم بناء على توجه النفي إلى الزيادة، لكن المراد التساوي في عدم العلم به، أو في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعد «وفي خمس لا يعلمهن إلا الله» ، أو في القدر الذي يعلمان منها وهو نفس وجودها، نظير هذا التركيب ما وقع في رواية أبي فروة من قوله عليه السلام (( ما كنت بأعلم به من رجل منكم ) ). ثم الظاهر أن يقول لست بأعلم بها منك، وإنما عدل عنه؛ إشعارًا بالتعميم تعريضًا للسامعين أن كل مسؤول وسائل كذلك.
قال النووي ويستنبط منه أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون دليلًا على مزيد ورعه.
وقال القرطبي المقصود من هذا السؤال كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة؛ لأنهم كانوا قد أكثروا السؤال عنها كما ورد في كثير من الآيات والحديث، فلما حصل الجواب بما ذكر حصل اليأس من معرفتها بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة؛ ليعلمها السامعون ويعلموا بها، ثم إن هذا السؤال والجواب وقع بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهم السلام أيضًا، لكن كان عيسى عليه السلام هو السائل وجبريل عليه السلام هو المسؤول. قال الحميدي حدثنا سفيان حدثنا مالك بن تحتاج إلى ضبط، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشعبي قال سأل عيسى ابن مريم جبريل عن الساعة قال فانتفض بأجنحته وقال «ما المسؤول عنه بأعلمَ مِنَ السائل» .
(وَسَأُخْبِرُكَ) ؛ بسين التأكيد، وفي التفسير (( ولكن سأحدثك ) ) [خ¦4777] ، وفي رواية أبي فروة (( ولكن لها علامات تعرف بها ) )، وفي رواية كهمس (( قال فأخبرني عن أماراتها ) )فترددنا هل ابتدأه بذكر الأمارات، أو السائل سأله عن الأمارات، ويجمع بينهما بأنه ابتدأ بقوله وسأخبرك، فقال السائل فأخبرني، ويدل على ذلك رواية سليمان التيمي فلفظها (( ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها قال أجل ) ).
(عَنْ أَشْرَاطِهَا) ؛ بفتح الهمزة، جمع شرط بالتحريك؛ أي علاماتها، وقيل مقدماتها، وقيل صغار أمورها؛ وفي (( المحكم ) )
ج 1 ص 363
و (( الجامع ) )أوائلها، والمراد أشراطها السابقة عليها لا المقارنة بها كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدجال، فإن قلت الأشراط جمع وأقله ثلاثة على الأصح ولم يذكر هنا إلا اثنان! فالجواب أنه من قبيل قوله تعالى {فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران 97] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( حبب إلي من دنياكم ثلاث [1] الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة ) )أو أن المذكور ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها.
(إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا) ؛ أي مالكها وسيدها، وفي التفسير (( ربتها ) )بتاء التأنيث على تقدير النسمة؛ ليشمل الذكر والأنثى، وقيل كراهة أن يقول ربها تعظيمًا للرب تعالى، وأما الربة فلا تطلق عليه تعالى، وتقدير الكلام هي؛ أي أشراط الساعة وقت ولادة الأمة سيدها؛ أي مجيء هذا الوقت، وذكروا في معنى هذا أوجهًا
الأول ما قال الخطابي وهو أن معناه اتساع الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد بمنزلة ربها لأنه ولد سيدها، قال النووي وهو قول الأكثرين، وهذا القول على هذا المعنى كناية عن كثرة التسري من كثرة فتوح المسلمين، واستيلائهم على بلاد الشرك، وهذا بلا شك لم يكن واقعًا في صدر الإسلام فلا يرد أن استيلاد الإماء كان موجودًا في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع في قرب قيام الساعة، فافهم.
والثاني أن معناه أن الإماء يلدن الملوك فتصير الأم من جملة الرعية والملك سيدها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول إبراهيم الحربي، وقرَّبه بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا عن وطء الإماء ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر ولا سيما في أثناء دولة بني العباس.
والثالث أن معناه أن يَفسُد أحوالُ الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تداولها في أيدي الملاك حتى يشتريها ابنها وهو لا يدري، وهذا القول لا يختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن أيضًا، فإن الأمة قد تلد حرًا بوطء غير سيدها، أو ولدًا رقيقًا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدي حتى
ج 1 ص 364
يشتريها ابنها أو بنتها.
والرابع أن أم الولد لمَّا عتقت بولدها فكأنه سيدها وهذا بطريق المجاز؛ لأنه لما كان سببًا لعتقها عند موت أبيه أطلق عليه ذلك مجازًا.
والخامس أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد لأمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام وغير ذلك، فأطلق عليه الرب مجازًا، وإنما خص ذلك بولد الأمة مع أن الأمر كذلك في أولاد الحرائر؛ لكون ولد الأمة أقرب إلى العقوق من ولد الحرة.
وقال الحافظ العسقلاني الأوجه عندي أن الرب بمعنى المربي فيكون حقيقة، وعلل كونه أَوْجَه بعمومه، وبأن المقام يدل على أن المراد حالةً تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصله الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربَّى _ بفتح الباء _ مربِّيًا _ بالكسر _ والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى أن تصير الحفاة العراة ملوك الأرض كما في «التفسير» ، هذا وقد وقع في رواية بدل وهو في معناه؛ لأن أهل اللغة قالوا بعل الشيء ربه ومالكه قال تعالى {أَتَدْعُونَ بَعْلًا} [الصافات 125] أي ربًا قاله ابن عباس رضي الله عنهما والمفسرون، وقيل المراد هنا الزوج، وعلى هذا معناه نحو ما سبق أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه ولا يدري، وهذا أيضًا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية على معنى واحد كان أولى.
تنبيه قال النووي ليس فيه دليل على تحريم بيع أمهات الأولاد ولا على جوازه، وقد استدل به لكل من الأمرين؛ لأن الشيء إذا جعل علامة على شيء آخر لا يدل على حظر ولا إباحة، ثم إنه يجمع بين ما في هذا الحديث من إطلاق الرب على السيد المالك في قوله «ربها» ، وبين ما في الحديث الآخر وهو في (( الصحيح ) ) (( لا يقل أحدكم أطعم ربك، ولا يقل أحدكم ربي، ولكن ليقل سيدي ومولاي ) ) [خ¦2552] بأن اللفظ هنا خرج على سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو أن النهي متأخر، أو مختص بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
(وَإِذَا تَطَاوَلَ) أي تفاخر (رُعَاةُ) بضم الراء، جمع راعٍ كالقضاة جمع قاض، وكذلك الرِّعاء بكسر الراء جمع راع
ج 1 ص 365
كالجياع جمع جائع (الإِبِلِ الْبُهْمُ) بضم الباء الموحدة، جمع الأبهم وهو الذي لا شيء شبيه له.
وقال القاضي جمع بهيم وهو الأسود الذي لا يخالطه لون غيره. وقال محمود العيني إذا كان البهم صفة للرعاة ينبغي أن يكون جمع بهيم، وإن كان صفة للإبل ينبغي أن يكون جمع بهماء وكلا الوجهين جائز، فعلى الأول يكون مرفوعًا؛ أي الرعاة السود، قال الخطابي معناه الرعاء المجهولون الذين لا تعرف أنسابهم، ومنه أبهم الأمر فهو مبهم إذا لم تُعرف حقيقته، وقال القرطبي الأولى أن يحمل على أنهم سود الألوان؛ لأن الأدمة غالب ألوانهم، وعلى الثاني يكون مجرورًا؛ أي رعاة الإبل السود قالوا إنها شر الألوان عندهم وخيرها الحمر التي ضرب بها المثل فقيل (( خير من حُمْر النَّعَم ) ).
وقوله (فِي الْبُنْيَانِ) متعلق بقوله (( تطاول ) )؛ أي ومجيء وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان؛ يعني أن أهل الفاقة تنبسط لهم الدنيا حتى يتباهوا في إطالة البنيان، وحاصله أن العرب تستولي على الناس وبلادهم ويزيدون في بنيانهم، وهو إشارة إلى اتساع دين الإسلام كما أن العلامة الأولى فيها اتساع الإسلام؛ يعني أن من أشراطها تسلط المسلمين على العباد والبلاد.
وقال ابن بطَّال معناه أن ارتفاع الأسافل من العبيد والسفلة من الجمالين وغيرهم من علامات القيامة، وما أحسن قول القائل
~إذا التحقَ الأسافِلُ بالأعَالِي فقدْ طابتْ منادمَةُ المنايَا
وروى الطبراني من حديث ابن أبي جمرة عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا (( من انقلاب الزمان تفصح النبط، واتخاذهم القصور في الأمصار ) ).
وقال القرطبي المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان.
وقال الطِّيبي المقصود أن علامتها انقلاب الأحوال، والقرينة
ج 1 ص 366
الثانية ظاهرة في صيرورة الأذلة أعزة ملوك الأرض، فتحمل القرينة الأولى على صيرورة الأعزة أذلة، ألا ترى أن الملكة بنت النعمان حين سُبيت وأُحضرت بين يدي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كيف أنشدت
~وبينَا نسوسُ النَّاس والأمرُ أمرنَا إذا نحنُ فيهِم سُوْقةٌ نَتنصَّفُ
~فأُفٍّ لدُنيا لا يدُومُ نَعِيمُها تقلَّبُ تاراتٍ بنَا وتصَرَّفُ
وفي الحديث (( لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس لكع بن لكع ) )، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) )، وكلاهما في الصحيح.
والحاصل أن بلوغ الأمر الغاية مُؤذِن بالتراجع المؤذِن بأن القيامة ستقوم، وقد قيل
~وعندَ التَّناهِي يقصُرُ المتطاولُ
وقيل أيضًا
~إذَا تمَّ أمرٌ بدَا نقصُهُ توقَّع زوَالًا إذَا قيلَ تمَّ
ثم إن في ذكر كلمة (( إذا ) )في العلامتين دلالة على تحقق وقوعهما، فافهم.
ثم قوله (فِي خَمْسٍ) في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره عِلمُ وقت الساعة داخل في جملة خمس من الغيب، ففي رواية عطاء الخراساني (( قال فمتى الساعة؟ قال هي في خمسٍ من الغيب ) ).
(لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ. ثُمَّ تَلاَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} ) وفي رواية (الآيَةَ) بالنصب بتقدير «اقرأ» ، وبالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي الآية مقروءة إلى آخر السورة كما صرح بذلك الإسماعيلي، ووقع عند مسلم إلى قوله {خَبِيْر} ، وكذا في رواية أبي فروة، وأما ما وقع عند المؤلف في «التفسير» من قوله (( إلى الأرحام ) ) [خ¦4777] فهو تقصير من بعض الرواة، والسياق مرشد إلى أنه تلا الآية كلها، وسبب نزول الآية أن الحارث بن عمرو أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال متى قيام الساعة، وإني قد ألقيت حبَّاتي في الأرض فمتى السماء تمطر، وحَمْلُ امرأتي ذكرٌ أو أنثى، وما أعمل غدًا وأين أموت؟ فنزلت فقال عليه السلام (( مفاتح الغيب خمس وتلا هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} ) )أي استأثر بعلم وقت قيامها {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} في إبانة المقدر له، والمحل المعين له في علمه تعالى {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} أذكر أم أنثى أتام أم ناقص {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} من خير أو شر، وربما تعزم على شيء وتفعل
ج 1 ص 367
خلافه {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} كما لا تدري في أي وقت تموت.
روي أن ملك الموت مرَّ على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل من هذا؟ قال ملك الموت فقال كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال الملَك كان دوام نظري إليه تعجبًا منه إذ أُمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. وإنما جُعِل العلم لله والدراية للعبد؛ لأن فيها معنى الحيلة فيشعر بالفرق بين العلمين، وأنه إذا انتفى اكتساب علم الشيء بحيلة عن كل نفس مع كونه من مختصاتها، ولم يقع منه على علم، كان عدم اطلاعها على غير ذلك الشيء بالأولى، ففيه من المبالغة والتعميم ما لا يخفى، ولهذا عدل عن الإثبات إلى النفي أيضًا {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ} يعلم الأشياء كلها {خَبِيرٌ} يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها.
قال القرطبي لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام 59] بهذه الخمس وهو في الصحيح قال فمن ادعى علم شيء منها غير مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كاذبًا في دعواه، قال وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي، وليس ذلك بعلم، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على تحريم أخذ الأجرة والجُعْلِ وإعطائها في ذلك.
وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم علم كل شيء سوى هذه الخمس، وأخرج حُميد بن زنجويه عن بعض الصحابة أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فأُنكر عليه فقال (( إنما الغيب خمس ) )وتلا هذه الآية، وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم.
(ثُمَّ أَدْبَرَ) الرجل السائل (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (رُدُّوهُ) فأخذوا ليردوه كما وقع في «التفسير» (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) لا عينه ولا أثره، قيل ولعل قوله «ردوه» لإيقاظ الصحابة ليتفطنوا إلى أنه مَلَكٌ لا بشر، ويستفاد منه أن الملَك يجوز أن يتمثل لغير النبي صلى الله عليه وسلم فيراه ويتكلم بحضرته وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن حُصَين أنه كان يسمع كلام الملائكة.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَذَا)
ج 1 ص 368
وفي رواية (جِبْرِيلُ) عليه السلام (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) وهي جملة وقعت حالًا مقدرة؛ لأنه لم يكن معلمًا وقت المجيء، وأسند التعليم إليه وإن كان سائلًا؛ لكونه سببًا لتعليم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهر قولهم حُسْنُ السؤال نصف العلم، أو لأنه لمَّا كان غرضه التعليم أسند إليه، ووقع في «التفسير» (( ليُعلِّم ) )باللام، وعند الإسماعيلي أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا، وفي رواية أبي فروة (( والذي بعث محمدًا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل ) ).
وفي حديث عامر ثم ولَّى فلما لم نرَ طريقه قال النبي صلى الله عليه وسلم (( سبحان الله هذا جبريل جاء ليعلِّم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة ) ).
وفي رواية سليمان التيمي ثم نهض فولَّى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( عليَّ بالرجل ) )فطلبناه كل مطلب فلم نقدر عليه فقال (( هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه فوالذي نفسي بيده ما شُبِّه عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه وما عرفته حتى ولى ) ).
واتفقت هذه الروايات على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه، وأما ما وقع عند مسلم وغيره من حديث عمر رضي الله عنه في رواية كَهْمَس ثم انطلق، قال عمر رضي الله عنه فلبثت مليًا؛ أي زمانًا بعد انصرافه، ثم قال لي (( يا عمر أتدري من السائل؟ ) )قلت الله ورسوله أعلم قال (( فإنه جبريل ) ).
وفي رواية أبي عَوانة (( فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ) )، ولابن حبان (( بعد ثالثة ) )، ولابن منده (( بعد ثلاثة أيام ) )فقد جمع النووي بين الروايتين بأن عمر رضي الله عنه لم يحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس، بل كان ممن قام إما مع الذين توجهوا إلى طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع؛ لعارض عرض له، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين في الحال، ولم تتفق الأخبار لعمر رضي الله عنه إلا بعد ثلاثة أيام.
ويدل عليه قوله «فلقيني» ، وقوله «فقال لي يا عمر» حيث وجه الخطاب إليه وحده بخلاف إخباره الأول، وهو كما قال الحافظ العسقلاني جمع حسن.
واعلم أن هذه الأسئلة والأجوبة صدرت قريب حجة الوداع قبل استقرار الشرع.
وفيه فوائد كثيرة لا تكاد تحصى منها تمثل الملائكة بأي صورة شاؤوا من صور بني آدم كقوله تعالى {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم 17] ، وقد كان جبريل عليه السلام يتمثل بصورة دحية غالبًا، ولم يره النبي صلى الله عليه وسلم في صورته التي خُلِق عليها غير مرتين.
ج 1 ص 369
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري رحمه الله تعالى (جَعَلَ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ) المذكور في هذا الحديث (كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ) فإن قيل قد قال أولًا فجعل ذلك كله دينًا، وقال هنا جعل ذلك من الإيمان، فالجواب هو أن يقال أما جعله دينًا فظاهر حيث قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث (( يعلم الناس دينهم ) )، وأما جعله إيمانًا فكلمة «مِنَ» إما تبعيضية والمراد بالإيمان هو الإيمان الكامل المعتبر عند الله تعالى، وهو الإيمان المشتمل على هذه الأمور كلها فلا شك أن الإسلام والإحسان داخلان فيه، وإما ابتدائية، ولا يخفى أن مبدأ الإسلام والإحسان هو الإيمان بالله إذ لولا الإيمان به لم يُتصوَّر العبادة له.
[1] لفظ (ثلاث) لم يرد في شيء من كتب الحديث المعتبرة.