6100 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ سَمِعْتُ شَقِيقًا) أبا وائل بن سلمة (يَقُولُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ مسعود رضي الله عنه، ووقع في رواية سفيان عن الأعمش الماضية، في باب (( من أخبر صاحبه بما يعلم ) ) [خ¦6059] ، بلفظ (( عن ابن مسعود ) ) (قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يوم حُنين (قِسْمَةً كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ) في غيرها من المغازي من تفضيلِ المؤلفة. وفي رواية منصور عن أبي وائل لمَّا كان يوم حُنين آثرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ناسًا في القسمة، أعطى الأقرعَ بن حابس مائةً من الإبل، وأعطى عُيينة بن حصن مائة من الإبل، وأعطى ناسًا من أشرافِ العرب، ولم يعطِ الأنصار.
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قيل اسمُه معتِّب بن قُشير المنافق، كما قاله الواقدي، وقيل إنَّه حرقوص بن زهير، ورُدَّ ذلك (وَاللَّهِ إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ) وفي غزوة حنين، من وجه آخر بلفظ (( ما أراد ) ) [خ¦4335] على البناء للفاعل، وفي رواية منصور (( ما عُدِل فيها ) ) [خ¦3150] ، وهو بضمِّ أوَّله على البناء للمفعول.
قال ابنُ مسعود رضي الله عنه (قُلْتُ أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه، كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي، وفي رواية الكُشميهني بتخفيف الهمزة وحذف الألف، وفي رواية بتشديد الميم،
ج 26 ص 12
قال العينيُّ وليس ببيِّن.
وقال الحافظُ العسقلاني ويوجَّه التَّشديد، على أنَّ في الكلام حذفًا تقديره أَمَا إذا قلت ذلك.
(أَنَا لأَقُولَنَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مقالته (فَأَتَيْتُهُ وَهْوَ فِي أَصْحَابِهِ) أي بين أصحابه، كما في قوله تعالى {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر 29] أي بين عبادي (فَسَارَرْتُهُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) وقد تقدَّم بأكثر من عشرة أبواب (( فتمعَّر وجهه ) ) [خ¦6059] وهو بالعين المهملة ويجوز بالمعجمة.
(وَغَضِبَ، حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ) وفي رواية بفتح وتخفيف (أَخْبَرْتُهُ) بذلك (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) الذي قاله الرَّجل الأنصاري [1] (فَصَبَرَ) وفي رواية شعبة عن الأعمش [خ¦3405] (( يرحمُ الله موسى، قد أُوذي ... ) )فذكره، وزاد في رواية منصور فقال (( فمن يعدلُ إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى ... ) )الحديث [خ¦3150] . أشار به إلى قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} [الأحزاب 69] .
وإلى حديث المومسة التي أمرها قارون أن تزعم أنَّ موسى عليه السَّلام راودها، حتى كانَ ذلك سببُ هلاك قارون، وإلى اتهامهم إيَّاه بقتل هارون، فأحياهُ الله تعالى، فأخبرهُم ببراءة موسى عليه السَّلام، وقد تقدَّم هذا الحديث بأكثر من عشرة أبواب [خ¦6059] .
وقد مضى أيضًا في (( أحاديث الأنبياء ) ) [خ¦3405] ، ويأتي في (( الدعوات ) )أيضًا [خ¦6336] ، وأخرجه مسلم في (( الزكاة ) ).
وفيه جوازُ إخبار الإمام وأهل الفضل بما يُقال فيهم ممَّا لا يليقُ بهم، فيحترزوا القائل.
وفيه بيان ما يباحُ من الغيبة والنَّميمة؛ لأنَّ صورتهما موجودة في صنيعِ ابن مسعود رضي الله عنه هذا، ولم ينكره النَّبي صلى الله عليه وسلم. وذلك أن قصدَ ابن مسعود كان نصحَ النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإعلامه بمن يطعنُ عليه، ممَّن يظهرُ الإسلام ويبطنُ الكفر؛ ليحذر منه. وهذا جائزٌ، كما يجوز التَّجسس على الكفَّار؛ ليؤمَن من كيدهِم، وقد ارتكبَ الرَّجل المذكور بما قال إثمًا عظيمًا، فلم يكن له حرمة. وفيه أنَّ أهل الفضل قد يُغضبهم ما يُقال فيهم ممَّا ليس فيهم، ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصَّبر والحلم، كما صنع النَّبي صلى الله عليه وسلم اقتداءً بموسى عليه السَّلام.
ج 26 ص 13
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
[1] في هامش الأصل روي أن قارون كان يُؤذي موسى عليه السلام كل وقت، وهو يُداريه لقرابته؛ لأنَّه كان ابنَ عمِّه يصهر بن قاهث بن لاوي، حتى نزلت الزكاة، فصالحه عن كلِّ ألف على واحد، فحسبه، فاستكثرهُ، فعمد أن يفضح موسى بين بني إسرائيل ليرفضوهُ، فبرطل بغيَّةً لترميه بنفسها، فلمَّا كان يوم عيد، قامَ موسى عليه السلام خطيبًا، فقال من سرقَ قطعناه، ومن زنى غير محصنٍ جلدناه، ومن زنى محصنًا رجمناهُ. فقال قارون ولو كنتَ؟ قال ولو كنتُ. قال إنَّ بني إسرائيل يزعمون أنَّك فجرت بفلانة. فاستُحضرت، فناشدها موسى بالله أن تصدقَ، فقالت جعل لي قارون جُعْلًا على أن أرميكَ بنفسي. فخرَّ موسى شاكيًا عنه إلى ربِّه، فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئتَ. فقال يا أرض خذيهِ. فأخذته إلى ركبتيه، ثمَّ قال خذيه. فأخذته إلى وسطه، ثمَّ قال خذيه. فأخذته إلى عنقهِ، ثمَّ قال خذيه. فخسفتْ به. وكان قارون يتضرَّع إليه في هذه الأحوال، فلم يرحمْه، فأوحى الله إليه ما أفظَّك! استرحمك مرارًا، فلم ترحمه، وعزَّتي وجلالي، لو دَعاني مرَّة لأجبته. ثمَّ قال بنو إسرائيل إنما فعله ليرثه. فدعا الله حتى خسفَ بدارِهِ وأمواله. قاضي.