فهرس الكتاب

الصفحة 899 من 11127

555 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشي المدنيُّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الله بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

ورجالُ هذا الإسناد كلُّهم قد تقدَّموا [خ¦172] [خ¦418] [خ¦445] وغيرها، وكلُّهم مدنيِّون إلا شيخ المؤلِّف، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصلاة [خ¦648] ، والتوحيد [خ¦7429] ، وأخرجَه مسلمٌ، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» .

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ) أيُّها المصلُّون، قيل أو المُرَاد مُطْلَق المؤمنين، وفيه أنه يأبى عنه قوله «ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر» ؛ أي تأتي طائفة عَقِبَ طائفة ثمَّ تعودُ الأولى عقب الثَّانية.

قال ابن عبدِ البَرِّ وإنَّما يكون التَّعاقبُ بين طائفتين أو رجلين بأن يأتي هذا مرَّة، ويعقبه ذاك أخرى، ومنه تعقيب الجيوش وهو أنُ يجهِّزَ الأميرُ بعثًا إلى مدَّة، ثمَّ يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهِّز غيرهم إلى مدَّة، ثم يأذن لهم في الرُّجوع بعد أن يجهِّز الأولين.

قال القُرْطُبيُّ الواو في قوله (( يتعاقبون ) )علامة الفاعل المُذكَّر المجموع على لغة بني الحارث وهم القائلون أكلوني البَرَاغيثُ، ومنه قول الشاعر

~بحَورانَ يَعصِرن السَّليطَ [1] أقارِبُه

وهي لغةٌ فاشية.

وعليها حملَ الأخْفَشُ قوله تعالى {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء 3] ، قال وقد تَعسَّفَ بعضُ النُّحاة منهم سيبويه في تأويلها وردَّه إلى البدل وهو تكلُّف مستغنىً عنه، فإنَّ تلك اللغة مشهورة ولها وجه من القياس واضح.

وقال غيره في تأويل الآية قوله {وَأَسَرُّوا} عائدٌ إلى النَّاس المذكورين أولًا و {الَّذِينَ ظَلَمُوا} بدل من الضمير، وقِيْل التَّقدير أنَّه لما قِيْل {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} قِيْل مَنْ هم؟ قال الذين ظلموا، حكاه الشَّيخ مُحْيِي الدِّين، والأوَّل أقرب؛ إذ الأصل عدم التَّقدير، وتواردَ جماعةٌ من الشُّراحِ على أن هذا الحديث من هذا القَبيل، ووافقهم ابن مالك، وناقشه أبو حيَّان وقال إنَّ هذه الطريق اختصرها الرَّاوي، واحتجَّ لذلك بما رواه البزَّار من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( إنَّ لله ملائكة يتعاقبون فيكم ... ) )الحديثَ.

وقد سُومِحَ في العَزْوِ إلى «مسند البزَّار» مع أنَّ هذا الحديث بهذا اللَّفظ في (( الصحيحين ) )فالعزوُ إليهما أولى، وذلك أنَّ هذا الحديث [2] رواه عن أبي الزناد مالك في «الموطأ» ، ولم يختلف عليه باللَّفظ المذكور وهو قوله (( يتعاقبون فيكم ) )وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه أخرجه سعيد بن مَنْصور عنه.

وقد أخرجه البخاري في بدء الخلق [خ¦3223] من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد بلفظ

ج 3 ص 506

(( الملائكة يتعاقبون ) ).

وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا من طريق موسى بن عقبة، عن الزناد بلفظ (( إنَّ الملائكة يتعاقبون فيكم ) )فاختلفَ فيه على أبي الزِّناد، فالظَّاهر أنه كان تارةً يذكره هكذا، وتارةً هكذا، وهذا يقوِّي قول أبي حيَّان.

ويؤيد ذلك أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رَوَوُه تامًّا، فأخرجه أحمدُ ومسلمٌ من طريقِ همَّام بن منبِّه، عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عقبة، لكن بحذف «إن» من أوله.

وأخرجه ابن خُزَيْمَة والسَّراج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ (( إن لله ملائكة يتعاقبون ) )وهذه هي الطريق التي أخرجها البزَّار.

وأخرجه أبو نُعَيمٍ في «الحِلْية» بإسنادٍ صحيحٍ من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ (( إنَّ الملائكة فيكم يعتقبون ) ).

(مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ) وتَنْكيرُ ملائكة في الموضعين لإفادةِ أن الثَّانية غير الأولى، كما قِيْل في قوله تعالى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح 5 - 6] وكما في قوله تعالى {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ 12] .

وأمَّا المُرَاد بالملائكة؛ فعند أكثرِ العلماء هم الحَفَظة، نقلَه القاضي عِيَاض وغيره عن الجمهور، فسؤاله تعالى لهم إنما هو سؤالٌ عمَّا أمرهم به من حفظهم لِأَعْمَالِهم وكتبهم إيَّاها عليهم.

وقيل هم غيرُ الحَفَظَة؛ فسؤاله لهم إنَّما هو على جِهَة التَّوبيخِ لمن قال {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة 30] وأنه أظهرَ لهم ما سبق في علمه بقوله {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون} [البقرة 30] .

قال القُرطُبيُّ وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين، ويُحْتَمل أن يكون سؤاله لهم استدعاءً لشهادتهم لهم، ولذلك قالوا أتيناهم وهم ُيصلُّون وتركناهم وهم يصلُّون، وهذا من خَفِيِّ لطفه وجميل ستره إذ لم يُطلِعهم إلَّا على حال عبادتهم، ولم يُطلِعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها. انتهى.

وهذا يُفِيد أنَّهم غيرُ الحَفَظَة؛ لأن الحفظة يطَّلعون على أحوالهم كلها، ولم يُنْقَل أيضًا أن الحفظة يُفَارقون العبدَ، ولا أنَّ حفظة الليل غير حفظة النهار، وأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله (( كيف تركتم عبادي؟ ) ).

اللَّهم إلا أن تكون الحفظة غير الكاتبين فيتَّجهُ ما قِيل إنهم هم الحفظة، والظاهر أنهم غيرهما؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث (( إذا ماتَ العبدُ جلسَ كاتباه على قبره يستغفران له ويُصلِّيان عليه إلى يوم القيامة ) ).

(وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ) فإن قِيْل التَّعاقب يُغَاير الاجتماع فيكون بين قوله (( يتعاقبون ) )وقوله (( يجتمعون ) )منافاة.

فالجواب أنَّ تعاقبَ الصِّنفين لا يمنع اجتماعهما؛

ج 3 ص 507

لأنَّ التَّعاقب أعمُّ من أن يكون معه اجتماع هكذا، أو لا يكون معه اجتماع كتعاقبِ الضِّدَّين.

وقال ابن عبد البرِّ الأظهر أنهم يشهدون معهم الصَّلاة في الجماعة، واللَّفظ يحتمل الجماعة وغيرها.

(ثُمَّ يَعْرُجُ) أي يَصعدُ، من عَرَج يَعْرج، من باب نَصَر يَنْصر، من العُرُوج، بمعنى الصُّعود، لا من عَرَج يَعْرُج عَرَجانًا، إذا غمزَ من شيءٍ أصابه، ولا من عَرِج يَعْرج عَرَجًا، إذا صار أَعْرَج، أو كان خِلْقة فيه، ولا من عرَّج _ بالتَّشديد _ تعريجًا، إذا أقام (الَّذِينَ بَاتُوا فِيْكُم) من الملائكة أيُّها المصلون.

اُخْتُلِفَ في سبب الاقتصار على الذين باتوا بدون ذكر الذين ظلُّوا، فقِيْل هو من باب الاكتفاء بذكر أحدِ المثلين عن الآخر؛ كقوله تعالى {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى 9] أي وإن لم ينفع، وقوله تعالى {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل 81] أي والبرد، وإلى هذا أشار ابن التِّين وغيره.

وقِيْل الحكمةُ في الاقتصار على ذلك أنَّ حكمَ طرفي النَّهار يُعْلَم من حكم طرفي اللَّيل، فلو ذكره لكان تكرارًا، ثم قيل الحكمة في الاقتصار على هذا الشَّق دون الآخر أن اللَّيل مظنَّة المعصية، فلمَّا لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه، واشتغلوا بالطَّاعات كان النَّهار أولى بذلك فكان السؤال عن اللَّيل أبلغ من السُّؤال عن النهار لكون النَّهار محل الاشتهار.

وقِيْل الحكمة في ذلك أن ملائكة اللَّيل إذا صلَّوا الفجر عرجوا في الحال، وملائكة النَّهار إذا صلَّوا العصر لبثوا إلى آخر النَّهار لضبطِ بقيَّة عمل النَّهار.

وقال الحافظ العَسْقَلانيُّ وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يَقْتَضي أنَّ ملائكة النَّهار لا يسألون عن وقتِ العصر، وهو خلافُ ظاهر الحديث، ثم هو مبنيٌّ على أنَّهم هم الحفظة، وفيه أنَّ لبث ملائكة النهار لضبط بقيَّة عمل النَّهار لا يستلزم عدم السؤال كما لا يخفى.

وقيِل الحكمة في ذلك بناء على أنَّ الملائكة هم الحفظة أنَّهم لا يَبْرَحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة اللَّيل هم الذين يعرجون ويتعاقبون، ويُؤيِّده ما رواه أبو نُعَيْم في كتاب «الصلاة» له من طريق الأسود بن يَزِيد النَّخعي قال يلتقي الحارسان؛ أي ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار عند صلاة الصُّبح، فيُسَلِّم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة اللَّيل وتلبث ملائكة النهار.

وقِيل يُحْتَمل أن يكون العروجُ إنَّما يقعُ عندَ صلاة الفجر خاصَّة، وأما النُّزول فيقع في الصَّلاتين معًا وفيه التَّعاقب، وصورته أن تنزلَ طائفةٌ عند العصر وتبيتَ، ثمَّ تنزل طائفة ثانية عند الفجر فتجتمعُ الطَّائفتان في صلاة الفجر [3] ، ثم يعرج الذين باتوا فقط، ويَسْتمرُّ الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد

ج 3 ص 508

منهم أحد، بل تبيتُ الطائفتان أيضًا ثم تعرج إحدى الطائفتين ويستمرُّ ذلك فيَصِحُ صورة التَّعاقب مع اختصاص النُّزولِ بالعصر والعروجِ بالفجر، فلهذا خُصَّ السؤال بالذين باتوا.

وقِيلَ إن قولهَ في هذا الحديث (( ويجتمعونَ في صلاة الفجر وصلاة العصر ) )وهم؛ لأنه ثبتَ في طرقٍ كثيرةٍ أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر، كما في «الصَّحيحين» من طريق سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه في أثناء حديثٍ قال فيه (( وتجتمعُ ملائكة اللَّيل، وملائكةُ النَّهار في صلاة الفجر ) ) [خ¦648] . قال أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم {وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء 78] .

وفي التِّرمذي والنَّسائي من وجهٍ آخر بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى {إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء 78] قال يشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار.

وروى ابن مَرْدَويه في «تفسيره» من حديث أبي الدَّرداء مرفوعًا نحوه.

وقال ابن عبد البَرِّ ليسَ في هذا دفع للرِّواية التي ذكر فيها العصر؛ إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث عدم اجتماعهم في العصر؛ لأنَّ المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليلٍ آخر.

قالَ ويُحْتملُ أن يكونَ الاقتصار وقَع في الفجر لكونها جهريَّة وبحثه الأول متَّجه؛ لأنَّه لا سبيل إلى ادِّعاء تَوهُم الراوي الثِّقة مع إمكان التَّوفيق بين الرِّوايات، ولاسيَّما أن الزِّيادة من العدل الضَّابط الثِّقة مقبولة.

ولقائلٍ أن يقولَ لمَ لا يجوزُ أن يكونَ تقصير من بعض الرُّواة في تركهم سؤال الذين أقاموا في النَّهار؟ ولمَ لا يجوز أن يحمل قوله «الذين باتوا» على ما هو أعم من المبيت باللَّيل، ومن الإقامة بالنهار فلا يختص ذلك حينئذٍ بليلٍ دون نهارٍ ولا عكسه، بل كلُّ طائفةٍ منهم إذا صعدت سُئلت وغاية ما فيه أنَّه استعملَ لفظ بات في معنى أقام مجازًا، ويكون معنى قوله الآتي فيسألهم؛ أي كلاًّ من الطَّائفتين في الوقت الذي تصعد فيه؟

ويدلُّ على هذا الحمل رواية موسى بن عُقْبَة عن أبي الزِّناد عند النَّسائيِّ ولفظه (( ثمَّ يعرج الذين كانوا فيكم ) )فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار.

قال الحافظ العَسْقَلانيُّ وهذا أقربُ الأجوبة، وقد وقع لنا من هذا الحديث طريق أُخرى واضحة فيها التَّصريح بسؤال كلٍّ من الطَّائفتين، وذلك فيما رواه ابن خُزيمة في «صحيحه» ، وأبو العبَّاس السَّرَّاج في «مسنده» جميعًا عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن الأعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يجتمعُ ملائكة اللَّيل

ج 3 ص 509

وملائكة النَّهار في صلاة الفجر وصلاة العصر فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعدُ ملائكة اللَّيل وتبيتُ ملائكة النهار [4] ، ويجتمعونَ في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل فيسألهم ربهم )) الحديثَ.

وهذه الرِّواية تُزِيلُ الإشكال وتُغْني عن كثيرٍ من الاحتمالات المتقدِّمة فهي المعتمدة، ويُحْمَل ما نقص منها على تقصيرِ بعض الرُّواة، والله أعلم.

(فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) أي بالمصلِّين منهم؛ أي من الملائكة، فحذف منهم، وفي رواية .

قِيْل الحكمةُ في السَّؤال استدعاءُ شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي التَّعطُّف عليهم، وقِيْل كان ذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} الآيةَ [البقرة 30] .

والمعنى أنه قد وُجِدَ فيهم مَنْ يُسبِّح ويُقدِّس مثلكم بنصِّ شهادتكم.

وقال القاضي عِيَاض هذا السُّؤال على سبيل التَّعبُّد للملائكة، كما أُمِروا أن يكتبوا أعمال بني آدم وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع.

(كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟) قال ابن أبي حَمْزة وقعَ السُّؤال عن آخر الأعمال؛ لأن الأعمال بخواتيمها قال والعباد المسؤول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر 42] .

(فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) لم يراعوا التَّرتيب الوجوديَّ؛ لأنهم بَدؤوا بالتَّرك؛ لأنَّهم طابقوا السؤال، ولأن المُخْبَر به صلاة العباد والأعمال بخواتيمها فناسب أن يُخْبِروا عن آخر أعمالهم، وهي الحكمة في تخصيص السؤال بالتَّرك.

وقوله (( تركناهم وهم يصلون ) )ظاهره أنَّهم فارقوهم عند شروعهم في العصر سواء تمَّتْ أو منعَ مانعٌ من إتمامها، وسواء شَرعَ الجميع فيها، أو لا؛ لأن المُنْتَظر في حكم المصلِّي، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم وهم يصلُّون ينتظرون صلاة المغرب.

وقال ابن التِّين الواو في قوله (( وهم يصلون ) )للحال، ومقتضى ذلك أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصَّلاة فلم يشهدوها معهم، والخبرُ ناطقٌ بأنهم يشهدونها، فهو محمولٌ على أنهم شهدوا الصَّلاة مع من صلاها في أول وقتها، وشهدوا مَنْ دخلَ فيها بعد ذلك ومن شرع في أسباب ذلك.

وقال ابن أبي حمزة أجابتِ الملائكةُ بأكثر مما سألوا عنه؛ لأنهم علموا أنه سؤال يستدعي التعطُّف فزادوا في سؤال ذلك إظهارًا لفضيلتهم، وحِرْصًا على ما يوجب مغفرتهم، كما هو وظيفتهم كما أخبرَ الله تعالى عنهم بقوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [غافر 7] .

وأقول فكذا وقع في «صحيح ابن خُزَيمَة» من طريق

ج 3 ص 510

الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه في آخر هذا الحديث (( فاغفر لهم يوم الدِّين ) ).

ومِنْ فوائد هذا الحديث أنَّ الصَّلاة أعلى العبادات؛ لأنها عليها وقعَ السَّؤال والجواب.

ومنها التَّنبيه على أنَّ الفجرَ والعصرَ من أعظمِ الصَّلوات لكونهما يجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، ومنها الإشارة إلى شرفِ هذين الوقتين، وقد ورد أن الرِّزق يُقْسَمُ بعد صلاة الصبح، وأنَّ الأعمال تُرْفَعُ آخر النهار، فمن كان حينئذٍ في طاعةٍ بورك في رزقه وعمله، ويترتَّب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما.

ومنها الإشارة إلى تشريف هذه الأمَّة على غيرها، ويلزم من ذلك تشريف نبيِّنا على غيره من الأنبياء عليهم السَّلام. ومنها الإخبار بالغيب ويترتَّب عليه زيادة الإيمان. ومنها بيان ضبط أحوالنا حتَّى نتيقَّظ ونتحفَّظ في الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا، وسؤال ربنا عنا.

ومنها الإيذان بأن الملائكة تحبُّ هذه الأمة لنزداد فيهم حبًّا، ونتقرَّب إلى الله تعالى بذلك. ومنها الدَّلالة على أنَّ الله تعالى يتكلَّم مع ملائكته.

وقال الحافظ العَسْقَلانيُّ استدلَّ بعض الحنفية بقوله (( ثم يعرج الذين باتوا فيكم ) )على استحباب تأخير صلاة العصر؛ ليقع عروج الملائكة عَقِبَ الفراغ منها آخر النَّهار، ثم قال وتُعقِّب بأنَّ ذلك غير لازم؛ إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعةَ الفراغ من الصَّلاة، بل جائزٌ أن يُفرَغ من الصلاة ويتأخَّروا بعد ذلك إلى آخر النَّهار، ولا مانعَ أيضًا من أنْ تصعدَ ملائكة النَّهار، وبعضُ النَّهارِ باقٍ، وتقيم ملائكة اللَّيل، ولا يرد على ذلك وصفهم بالمبيت بقوله (( باتوا فيكم ) )لأن اسم المبيت صادق عليهم، ولو تقدَّمت إقامتَهم باللَّيل إقامتُهم قطعة من النَّهار. انتهى.

وتعقَّبه محمودٌ العْينيُّ بأن هذا القائل ذكر في هذا الموضع ناقلًا عن البعض أنَّ ملائكة اللَّيل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النَّهار؛ لضبط بقيَّة عمل النَّهار، ثمَّ قال وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يقتضي أنَّ ملائكة النَّهار لا يُسْأَلون، وهو خلاف ظاهر الحديث، والعجب من أنَّه ناقض كلامه الذي ذكره في التعقُّب على ما لا يخفى، وبمثل هذا التَّصرُّف لا يتوجه الرد على المستدلين

ج 3 ص 511

بقوله (( ثمَّ يعرج الذين باتوا فيكم ) )على استحبابِ تأخيرِ صلاة العصر، انتهى فليتأمل.

[1] في هامش الأصل السَّليط الزيت عند عامة العرب، وعند أهل اليمن دهن السمسم. جوهري.

[2] (( من قوله بهذا اللفظ. .. إلى قوله هذا الحديث ) )ليس في (خ) .

[3] (( فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر ) )ليست في (خ) .

[4] (( من قوله في صلاة الفجر. .. إلى قوله ملائكة النهار ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت