5084 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بفتح المثناة الفوقية وكسر اللام المخفَّفَة وبالدال المهملة، وهو سعيدُ بن عيسى بن تليد، أبو عثمان الرُّعيني المصري (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصري (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخيتاني (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح) تحويل من سند إلى آخر (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي (عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ) كذا في رواية الأكثرين، ووقع في رواية أبي ذرٍّ وهو خطأ، وقد تقدَّم في أحاديث الأنبياء [خ¦3358] (( عن محمد بن محبوب،
ج 22 ص 263
عن حماد بن زيد )) على الصَّواب. وقال الكِرمانيُّ والأوَّل أكثر وأصح، وتعقَّبه العيني بأنَّ قولَه يدلُّ على الصِّحة مع القلَّة وليس كذلك بل هو خطأ محضٌ.
ثمَّ إنَّ الحديثَ رُوِي في أحاديث الأنبياء [خ¦3358] موقوفًا فاخْتَلَفَ هنا الرُّواةُ فَوَقَعَ في رواية كريمة والنَّسفي موقوفًا أيضًا، وفي رواية غيرِهما مَرْفُوعًا، وقد أخرجه الإسماعيليُّ من طريق سليمان بن حرب، شيخ البخاري فيه موقوفًا. وكذا ذكر أبو نُعيم أنَّه وقع هنا للبُخاري موقوفًا، وبذلك جزمَ الحُمَيدي.
قال الحافظُ العسقلاني وأظنُّه الصَّواب في رواية حماد، عن أيوب، وأنَّ ذلك هو السِّر في إيرادِ رواية جرير بن حازم مع كونها نازلة، ولكن الحديثَ في الأصل ثابتٌ بالرفع لكنَّ ابنَ سيرين كان يقفُ كثيرًا من حديثه تخفيفًا.
وأغربَ المِزِّي فعزا روايةَ حمَّاد هذه هنا إلى رواية ابن رُمَيح عن الفَرَبْرِي، وغَفَل عن ثبوتها في رواية أبي ذرٍّ والأصيلي وغيرهما من الرُّواة من طريق الفَرَبْرِي وهي ثابتةٌ أيضًا في رواية النَّسفي فما وجه تخصيص ذلك برواية ابن رُمَيح؟
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ) صلى الله عليه وسلم (إِلاَّ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ) بفتح الذال المعجمة، وعند ابن الخطيب عن أبي ذرٍّ بسكونها، وليس هذا من الكَذِبِ الحقيقيِّ المذموم بل هو من باب المعاريضِ المحتملة للأمرين لِقَصْدٍ شرعيٍّ دِينيٍّ (بَيْنَمَا) بالميم (إِبْرَاهِيمُ مَرَّ بِجَبَّارٍ) أي مَلِك حران، قاله الكِرمانيُّ. وقال غيره ملك مصر، وكذا ذكره السُّهيلي، واسمُه صادوق، كما قاله ابن قتيبة أو غير ذلك (وَمَعَهُ سَارَةُ) زوجته (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) هكذا ساقه مختصرًا، وقد تقدَّم في أحاديث الأنبياء [خ¦3358] (( فقيل له إنَّ هاهنا رجلًا معه امرأة من أحسنِ النَّاس فأرسل إليه فسأله عنها، فقال من هذه؟ قال أختي، فأتى سارة، قال يا سارةُ ليس على وجه الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك، وإنَّ هذا سألني فأخبرته أنَّك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها فلمَّا دخلت عليه ذهب يتناولها بيدِه فأُخِذَ فقال ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأُطْلِقَ ثمَّ تناولها
ج 22 ص 264
الثانية فأُخِذ مثلها أو أشد، فقال ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأُطْلِقَ فدعا بعض حجبتهِ، فقال إنَّكم لم تأتوني بإنسان إنما أتيتموني بشيطانٍ )) .
(فَأَعْطَاهَا هَاجَرَ) أمَّ إسماعيل عليه السلام (قَالَتْ) أي للخليل عليه السلام (كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْكَافِرِ) الجبَّار عني (وَأَخْدَمَنِي آجَرَ) بالهمزة الممدودة بدل الهاء (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه بالسند السابق (فَتِلْكَ) يعني هاجر (أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) أراد به العرب؛ لأنَّ هاجر أمُّ إسماعيل عليه السلام، والعرب من نسله وسمُّوا ببني ماء السَّماء؛ لأنَّهم سكان البوادي والفلوات التي بها مواقع المطر لرعي دوابهم [1] .
قال ابن المنيِّر مطابقةُ حديثِ هاجر للترجمة أنَّها كانتْ مَمْلُوكةً، وقد صحَّ أنَّ إبراهيم عليه السلام أولدها بعد أن مَلَكَها فهي سريَّة.
واعترضَ عليه الحافظ العسقلاني بأنَّه إن أرادَ أن ذلك وقع صريحًا في (( الصَّحيح ) )فليس بصحيحٍ، وإنما الذي في (( الصَّحيح ) )أنَّ سارة مَلَكَتْها وأنَّ إبراهيم عليه السلام أولدها إسماعيل عليه السلام، وكونه ما كان بالذي يستولد أمةَ امرأتهِ إلَّا بملك مأخوذ من خارج الحديث الذي في (( الصحيح ) ). وقد ساقه أبو يعلى في (( مسنده ) )من طريق هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الحديث قال في آخره (( فاستوهبَها إبراهيمُ من سارةَ فوهبَتْها له ) ). ووقع في حديث حارثةَ بن مضرب، عن عليٍّ رضي الله عنه عند الفاكهيِّ أنَّ إبراهيم استوهبَ هاجرَ من سارة فوهبَتْها له وشرطتْ عليه أنْ لا يُسِرَّها فالتزم ذلك ثمَّ غارت منها، فكان ذلك السَّبب في تحويلها مع ابنها إلى مكَّة، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في أحاديث الأنبياء [خ¦3358] . انتهى.
والحاصل أنَّ في أصل الحديث اتِّخاذُ إبراهيم عليه السلام هاجرَ سُرية بعد أن مَلَكَها، فيطابق الترجمة على ما لا يخفى.
[1] في هامش الأصل أي لكثرة ملازمتهم الفلوات والبوادي وأكثر مياههم المطر. منه.