فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 11127

39 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بصيغة المفعول، من التَّطهير، ابن حسام الأزدي البصري، وكنيته أبو ظَفَر _ بفتح الظاء المعجمة والفاء _، روى عن جمع من الأعلام منهم شعبة. وروى عنه الأعلام منهم البخاري، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وسئل عنه فقال صدوق. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بن عطاء بن مقدم، أبو حفص المقدمي، نسبة إلى جدِّه البصري، سمع جمعًا من التابعين منهم هشام بن عروة، وروى عنه خلق من الأعلام منهم ابنه عاصم.

قال ابن سعد كان ثقة، وكان يُدلِّس تدليسًا شديدًا يقول سمعت وحدَّثنا ثمَّ يسكت، ثمَّ يقول هشام بن عروة الأعمش، قال المؤلف قال ابنه عاصم مات سنة تسعين ومئة. وروى له الجماعة.

(عَنْ مَعْنِ) بفتح الميم وسكون العين المهملة (ابْنِ مُحَمَّدٍ) بن معن (الْغِفَارِيِّ) بكسر الغين المعجمة، الحجازي، سمع حميدًا. وعنه جمع منهم ابن جريج، ذكره ابن حبَّان في (( ثقاته ) )، روى له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

قال الكرماني ما كان في (( الصحيحين ) )عن المدلسين بعَن، كما عن عمر بن علي، عن معن، محمول على سماعهم من جهة أُخرى.

ج 1 ص 298

(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) واسم أبي سعيد كيسان (الْمَقْبُرِيِّ) بفتح الميم وضم الموحدة وفتحها، نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا بها، وقيل كان منزله عند المقابر، وهو بمعنى الأول، وقيل جعله عمر رضي الله عنه على حفرِ القبور. ويحتمل أنَّه اجتمع فيه ذلك كله، فكان على حفرها ونازلًا عندها، وهو صفة لأبي سعيد والد سعيد، وكان مكاتبًا لامرأةٍ من بني ليث بن بكر، وأمَّا سعيد فهو أبو سعْد _ بسكون العين _ المدني، روى عن جماعة من الصحابة.

قال أبو زُرعة ثقة، وقال أحمد لا بأس به، وقال ابنُ سعد كان ثقةً كثير الحديث، ولكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته، وقدم الشَّام مرابطًا وحدَّث ببيروت. وقال غيره اختلطَ قبل موته بأربع سنين، وكان سماع معن عنه قبل الاختلاط، وإلَّا لَمَا أخرجه المؤلِّف. توفي سنة خمس وعشرين ومئة، روى له الجماعة.

وقال النَّوويُّ في (( شرح صحيح مسلم ) )يقال لكلِّ واحد من الأب والابن المقبري، وإن كان في الأصل هو الأب.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التحديث والعنعنة. ومنها أنَّ رواته ما بين مدني وبصري. ومنها أنَّ فيه رواية مدلِّس شديد بعن، ولكنه محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى، وقد أخرج المؤلف طرفًا منه في الرِّقاق عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رفعه (( لن ينجي أحدًا منكم عمله ) )قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال (( ولا أنا إلَّا أن يتغمَّدني الله برحمتهِ، سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيءٍ من الدُّلجة والقصد تبلغوا ) ) [خ¦6463] .

وأخرج النسائيُّ أيضًا مثل هذا الحديث في هذا الباب.

(عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ) في التَّأكيد بأنْ ردَّ على مُنْكِرِ يُسرِ هذا الدِّين، فإما أن يكون المخاطب منِكرًا له، أو منزلًا منزلته، ويمكن أن يكون التأكيد بكون القصة ممَّا يهتم به.

(وَلَنْ يُشَادَّ) من المشادَّة، وهي المغالبة (الدِّينَ) أي أحد بإضمار الفاعل؛ للعلمِ به، وقد رواه ابن السَّكَن بإثبات لفظ ، والدِّين على هذا منصوب على المفعوليَّة وهو ظاهر.

وقال (( صاحب المطالع ) )إن أكثر الرِّوايات برفع الدِّين على أن يُشاد مبني لِمَا لم يسمَّ فاعله، وعارضَه النَّووي بأنَّ أكثر الرِّوايات بالنصب، وقد جمع بينهما الحافظُ ابن حجر العسقلاني بحمل كلام (( صاحب

ج 1 ص 299

المطالع )) على رواية المغاربة. وحمل كلام النووي على رواية المشارقة، ويؤيد النَّصب لفظ حديث بريدة عند أحمد (( إنه من شادَّ هذا الدِّين يغلبه ) ).

وقال محمود العيني الأَوْلى أن يرفع الدين على أنه مفعول ناب عن الفاعل، فافهم.

والمعنى لا يتعمَّق أحدٌ في الدِّين ويترك الرِّفق فيه.

(إِلاَّ غَلَبَهُ) الدِّين وعجز عن ذلك التعمق، وانقطع عن عمله كله أو بعضه، والمراد منه التَّحضيض على ملازمة الرفق، والاقتصار على ما يُطيقه ويمكنه الدَّوام عليه، وأنَّ من شادَّ الدِّين وتعمَّق انقطعَ وقهره الدين وغلبه، ثمَّ أرشد على طريق ذلك فقال

(فَسَدِّدُوا) من التَّسديد _ بالسين المهملة _ من السَّداد، وهو الصَّواب، والقصد من القول والعمل، ورجل مسدَّد إذا كان يعملُ بالصَّواب والقصد؛ أي الزموا التَّوسط في العمل من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ (وَقَارِبُوا) بالباء الموحدة لا بالنون، قيل معناه لا تبلغوا النِّهاية، بل تقرَّبوا منها، يقال رجل مُقارب؛ أي وسط بين الطَّرفين.

وقال التيميُّ قاربوا إمَّا أن يكون معناه قاربوا في العبادة ولا تباعدوا فيها، فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوا، وإما أن يكون معناه ساعدوا، يقال قاربت فلانًا؛ أي ساعدته، فالمعنى ليساعد بعضكم بعضًا في الأمور، وهو معنى قوله تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة 2] .

وقال الحافظ العسقلاني معناه إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا ما يقرب منه.

(وَأَبْشِرُوا) من الإبشار، وفي لغة ابْشُروا _ بضم الشين _ من البشر، بمعنى الإبشار؛ أي أبشروا بالثَّواب على العمل وإن قل، وأبهم المبشر به؛ تنبيهًا على عظمه وفخامتهِ.

(وَاسْتَعِينُوا) أي على مداومته العبادة (بِالْغُدْوَةِ) بضم الغين المعجمة. وقال الكرمانيُّ وبعض الشَّارحين بفتح الغين، والصحيح هو الأول، وهو سيرُ أول النهار إلى الزوال، أو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشَّمس، على ما قاله الجوهري.

(وَالرَّوْحَةِ) بالفتح؛ أي السَّير بعد الزوال (وَشَيْءٍ) أي واستعينوا بشيءٍ (مِنَ الدُّلْجَةِ) بضم الدال وإسكان اللام، كذا الرواية، ويجوز لغةً فتح الدال وهي سير آخر الليل، وقيل سير الليل كله، ولهذا عبَّر فيه بالتَّبعيض، وقيل هي بالضم سير آخر اللَّيل،

ج 1 ص 300

وبالفتح سير الليل كله، وإنما قال وشيءٍ من الدُّلجة، ولم يقل والدلجة؛ لمعنيين

أحدهما التَّنبيه على الخفَّة؛ لأن الدُّلجة تكون باللَّيل، وعمل اللَّيل أشقُّ من عمل النَّهار.

والآخر أن الدُّلجة هو السير في اللَّيل كله عند البعض، كما سبق آنفًا، واستغراق اللَّيل كله صعب، فأشار بقوله (( وشيء من الدلجة ) )إلى التَّيسير للأمَّة، والمعنى استعينُوا على الأعمالِ بالأوقات المنشِّطة للعمل. وفيه استعارة الغدوة والرَّوحة وشيء من الدُّلجة لأوقات النَّشاط، وفراغ القلب للطَّاعة، ثم إن هذه الأوقات المذكورة أطيب أوقات المسافر فكأنَّه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرًا يقطع طريقه إلى مقصدهِ، فنبَّهه على أوقات نشاطه التي فيها بركة سيره؛ لأن المسافر إذا سافر اللَّيل والنَّهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرَّى السَّير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقَّة، وحسن هذه الاستعارة أن الدُّنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة وطريق إليها، فنبَّه أمَّته أن يغتنموا أوقات فرصتِهم وفراغهم. وهذا الحديث في معنى قوله تعالى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود 114] .

قال ابن المُنيِّر في هذا الحديث عَلَم من أعلام النُّبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كلَّ متنطِّعٍ في الدين ينقطع، وليس المراد منه منع طلب الأكمل في العبادة فإنَّه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدِّي إلى الملال أو المبالغة في التَّطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلِّي اللَّيل كله ويغالب النَّوم إلى أن غلبته عيناه في آخر اللَّيل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشَّمس فخرج وقت الفريضة. وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد رحمه الله (( إنَّكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبةِ، وخير دينكُم أيسره ) )، وقد يُستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرُّخصة الشَّرعيَّة، فإن الأَخذ بالعزيمة في موضع الرُّخصة تَنَطُّع كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي به استعماله إلى حصول الضَّرر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت