4800 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (قَالَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ) وفي حديث النَّواس بن سمعان عند الطَّبراني مرفوعًا (( إذا تكلَّم الله بالوحي أخذت السَّماءُ رجفةً شديدةً من خوف الله، فإذا سمع بذلك أهل السَّماء صعقوا وخرُّوا سجدًا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلِّمه الله بوحيهِ بما أراد، فينتهي به على الملائكة كلما مرَّ بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا، قال الحق، فينتهي به حيث أمر ) ).
(ضَرَبَتِ الْمَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَانًا) بفتحتين، ويُروى بضم أوله وسكون ثانيه، وهو مصدر بمعنى خاضعين طائعين (لِقَوْلِهِ) تعالى (كَأَنَّهُ) أي القول المسموع (سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ) حجرٍ أملس، فيصرعون ويرون أنَّه من أمر السَّاعة، وهو مثل قوله في «بدء الوحي» [خ¦2] (( صلصلة كصلصلةِ الجرس، وهو صوتُ المَلَك بالوحي ) )، وقد روى ابنُ مردويه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه رفعه (( إذا تكلَّم الله بالوحي يسمع أهل السَّموات صلصلة كصلصلةِ السِّلسلة على الصَّفوان فيفزعون ويرون أنَّه من أمر السَّاعة وقرأ {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ} الآية ) )وأصله عند أبي داود وغيره، وعلَّقه المصنِّف موقوفًا، ويأتي في كتاب «التَّوحيد» إن شاء الله تعالى [خ¦7481 قبل] .
ج 20 ص 530
قال الخطَّابي الصَّلصلة صوتُ الحديد إذا تحرَّك وتداخل، فكأنَّ الرِّواية وقعت له هنا بالصاد أو أراد أن التَّشبيه في الموضعين بمعنى واحد، فالذي في «بدء الوحي» هذا، والذي هنا جَرُّ السِّلسلة من الحديد على الصَّفوان الذي هو الحجرُ الأملس يكون الصَّوت النَّاشئ منهما سواء، وزاد في «سورة الحجر» [خ¦4701] عن عليِّ بن عبد الله قال غيره يعني غير سفيان يَنْفُذُهم ذلك.
وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ابن مَرْدويه من طريق عطاء بن السَّائب، عن سعيد بن جُبير عنه فلا ينزلُ على أهل سماء إلَّا صُعِقوا.
(حَتَّى إِذَا فُزِّعَ) وفي نسخة (عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا) أي الملائكة بعضُهم لبعض (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) وعند مسلم والتِّرمذي من طريق عليِّ بن الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( عن رجالٍ من الأنصار أنَّهم كانوا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم، فر>ُميَ بنجم فاستنارَ، فقال ما كنتُم تقولون لهذا إذا رُميَ به في الجاهليَّة، قالوا كنَّا نقولُ مات عظيم، أو ولد عظيمٌ، فقال إنَّها لا يُرمى بها لموت أحدٍ ولا لحياتهِ، ولكن ربُّنا إذا قضى أمرًا سبَّح حملة العرش، ثمَّ سبَّح أهل السَّماء الذين يلونهم حتَّى يبلغَ التَّسبيح سماء الدُّنيا، ثم يقولون لحملة العرش ماذا قال ربُّكم ) )الحديث، وليس عند التِّرمذي عن رجالٍ من الأنصار.
(قَالُوا لِلَّذِي قَالَ) أي قالوا للَّذي يسألُ قال الله القول (الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ذو العلوِّ والكبرياء ليس لملك ولا نبي أن يتكلَّم ذلك اليوم إلَّا بإذنه (فَيَسْمَعُهَا) أي تلك المقالة (مُسْتَرِقُ السَّمْعِ) بالإفراد في الموضعين في رواية عند أبي ذرٍّ، واستشكله الزَّركشي، وصوَّب الجمع في الموضعين، وأجيب في «المصابيح» بأنَّه يمكن جعله مفردًا لفظًا دَالًا على الجماعة معنى؛ أي فيسمعها فريق مسترق السَّمع، ويروى بالجمع (وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ) مبتدأ خبره قوله (هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ) وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ابن مردويه كان لكلِّ قبيل من الجنِّ مقعد من السَّماء يسمعون منه الوحي؛ يعني يلقيها، زاد عن سفيان حتَّى ينتهي إلى الأرض فيُلقى.
(وَوَصَفَ) وفي رواية ابن عساكر بإسقاط الواو، وفي رواية أبي ذرٍّ بهاء الضَّمير (سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا) بحاء وراء مشددة ثمَّ فاء (وَبَدَّدَ) أي فرَّق (بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ) من الوحي (وَيُلْقِيَهَا) ويُروى بالفاء (إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ) وعند سعيد بنِ منصور عن سفيان
ج 20 ص 531
(( والكاهنُ ) )بالواو، وفي رواية الجرجاني بدل السَّاحر، وهو تصحيفٌ (فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ) أي المسترق (قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا) أي المقالة إلى صاحبه (وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ) أي الشِّهاب، هذا يقتضي أنَّ الأمر في ذلك سواء، والحديث الآخر يقتضي أنَّ الذي يسلم منهم قليل بالنِّسبة إلى من يُدركه الشِّهاب، ووقعَ في رواية سعيد بن منصور عن سفيان في هذا الحديث، فيرمي هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتَّى يُلْقى على فم ساحر أو كاهنٍ (فَيَكْذِبُ) أي الذي تلقاها (مَعَهَا) أي مع تلك المقالة (مِائَةَ كَذْبَةٍ) بفتح الكاف وسكون الذال.
(فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيُصَدَّقُ) بفتح الصاد والدال (بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) وقد سقطت التاء من من غير رواية أبي ذرٍّ والأصيلي وابنِ عساكر، والأولى إثباتها، وزاد عليُّ بن عبد الله عن سفيان، كما تقدَّم في «تفسير الحجر» [خ¦4701] (( فيقولون ألم يُخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقًا للكلمة التي سُمِعت من السَّماء ) )، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما المذكور، فيقول (( يكون العام كذا وكذا، فيسمعه الجنُّ فتخبر به الكهنة، فتُخبر الكهنةُ النَّاس فيجدونه ) ).
وفي «تفسير سورة الحجر» في آخر هذا الحديث [خ¦4701] عن عليِّ بن عبد الله، قلت لسفيان إنَّ إنسانًا روى عنك عن عَمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قرأ فُرِّغ؛ أي بضم الفاء وبالراء المهملة المشددة وبالغين المعجمة، فقال سفيان هكذا قرأ عَمرو؛ يعني ابن دينار، فلا أدري سمعَه هكذا أم لا، وهذه القراءةُ رويت أيضًا عن الحسنِ وقتادة ومجاهد، والقراءةُ المشهورة بالزاي والعين المهملة، وقرأهَا ابنُ عامر مبنيًّا للفاعل.