فهرس الكتاب

الصفحة 695 من 11127

421 - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ؛ يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ) وفي رواية بغير ذكر أبيه، والأول هو الأصح، ليزول الاشتباه.

وطَهْمان _ بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء _ ابن شعبة الخراساني، أبو سعيد، مات سنة ثلاث وستين ومائة بمكة، كان صحيح الحديث، كثير السماع، حسن الرواية، وهذا تعليق من البخاري رحمه الله.

وقد أخرجه البخاري معلقًا أيضًا في الجهاد [خ¦3049] ، وفي الجزية [خ¦3165] ، وقد وصله أبو نُعيم الحافظ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن علي، حدثنا أحمد بن محمد ابن يزيد، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان.

(عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضم الصاد وفتح الهاء، وفي رواية غير منسوب فقال المزي في (( الأطراف ) )قيل إنَّه عبد العزيز بن رفيع، وقال الحافظ العسقلاني وليس بشيء.

وتعقبه محمود العيني بأنَّه قد روى أبو عَوانة في (( صحيحه ) )حديثًا من رواية إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أنس رضي الله عنه (( تسحَّروا، فإنَّ في السحور بركة ) ).

وروى أبو داود والنسائي حديثًا من رواية إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد بن عمير، عن عائشة رضي الله عنها (( لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا في إحدى ثلاث ) )الحديثَ، فيحتمل أن يكون هذا، ويحتمل أن يكون ذلك.

ج 3 ص 202

هذا؛ وأنت خبير بأنَّ الاحتمال لا يتمشَّىَ في مثل هذه المحال، والله أعلم.

(عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية رضي الله عنه أنه (قَالَ أُتِيَ) بضم الهمزة على صيغة المجهول (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ) وقد تعين المال فيما رواه ابن أبي شيبة، من طريق حميد مرسلًا، أنه كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء الحضرمي من خراج البحرين، قال وهو أول خراج حمل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقد روى البخاري في المغازي [خ¦4015] من حديث عمرو بن عوف (( أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صالح أهل البحرين، وأمَّرَ عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة بن الجراحِ رضي الله عنه إليهم، فقدم أبو عبيدة بمال، فَسمعَتِ الأنصار بقدومه ) ). الحديثَ، فيستفاد منه تعيين الآتي بالمال.

لكن في (( الردة ) )للواقدي أنَّ رسول العلاء بن الحضرمي بالمال هو العلاء ابن الحارثة الثقفي، فلعلَّه كان رفيق أبي عبيدة، فاختصر الواقدي في روايته عليه.

وأمَّا حديث جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى عليه وسلم قال له (( لو قد جاء مال البحرين أعطيتك ) )، وفيه (( فلم يقدم مال البحرين حتى توفي رسول الله عليه وسلم ) )الحديثَ، فهو صحيح كما سيأتي عند المؤلف [خ¦2598] ، فليس معارضًا لما تقدم؛ لأنَّ المراد أنَّه لم يقدم في السنة التي مات فيها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّه كان مال خراج أو جزية، فكان يقدم من سنة إلى سنة.

وأمَّا البحرين فهو تثنية بحر في الأصل، وهي بلدة مشهور بين البصرة وعمان، وهي هجر، وأهلها عبد القيس بن أفصى بن دُعمي بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.

وقال القاضي عياض قيل بينها وبين البصرة أربعة وثمانون فرسخًا، وقال أبو عبيد البكري لما صالح أهلُه رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي.

وزعم أبو الفرج في (( تاريخه ) )أنها وبئة، وأن ساكنيها معظمهم مطحولون، وأنشد

~مَن يسكُنِ البَحْرين يعظم طحالُهُ ويغبط مَا في جَوْفه وهُوَ ساغب

وزعم ابن سعد أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما انصرف من الجعرانة؛ يعني بعد قسمة غنائم حنين أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي، وهو بالبحرين يدعوه إلى الإسلام، فكتب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 3 ص 203

بإسلامه وتصديقه.

(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (انْثُرُوهُ) بالمثلثة؛ أي صبوه (فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاَةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ) أي إلى المال الذي قدم (فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلاَّ أَعْطَاهُ) منه.

(إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ) عمُّه، وكلمة (( إذ ) )ظرف في الغالب، والعامل فيه يجوز أن يكون قوله فجلس إليه، ويجوز أن يكون قوله يرى، قاله محمود العيني، ولا يظهر لطف معناه.

وقال في (( المصابيح ) )المعنى والله أعلم فبينما هو كذلك إذ جاءه العباس رضي الله عنه.

(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَعْطِنِي) منه (فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي) يعني يوم بدر، حيث أخذ أسيرًا، وهو من المفاداة، يقال فاداه يفاديه، إذا أعطى فداءه، وأنقذ نفسه، ويقال فَدَى وأفدى وفادى ففدَى، إذا أعطى المال لخلاص نفسه، وأفدى إذا أعطى لخلاص غيره، وفادى إذا أفتك الأسير بأسير مثله.

(وَفَادَيْتُ عَقِيلًا) بفتح العين، وهو ابن أبي طالب، وكان هو أيضًا أسر يوم بدر مع العباس (فَقَالَ لَهُ) أي للعباس رضي الله عنه (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذْ، فَحَثَا) بفتح الحاء المهملة والثاء المثلثة، والضمير فيه للعباس رضي الله عنه، يقال حثوت له، إذا أعطيتَه شيئًا يسيرًا، وقيل من الحثية، وهي ملء اليد، وهو المناسب هنا.

(فِي ثَوْبِهِ) أي في ثوب نفسه (ثُمَّ ذَهَبَ) رضي الله عنه (يُقِلُّهُ) بضم الياء، من الإقلال، وهو الرفع والحمل، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين سئل عن الأبِّ بتشديد الباء (( أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني؟ إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به ) ).

(فَلَمْ يَسْتَطِعْ) حمله (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْ) بضم الميم وسكون الراء، وفي رواية بالهمزة المضمومة أولًا، والساكنة ثانيًا (بَعْضَهُمْ) أي بعض الحاضرين (يَرْفَعهُ) بالياء المثناة التحتية، وبالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر، ويجوز فيه الرفع على الاستئناف، أي هو يرفعه، أي يرفع ذلك البعض المال الذي حثاه العباس في ثوبه، ويروى _ بالباء الموحدة وسكون الفاء _.

(إِلَيَّ) بتشديد الياء (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاَ) أي لا آمر أحدًا برفعه (قَالَ) العباس رضي الله عنه (فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ لاَ)

ج 3 ص 204

أي لا أرفعه أنا أيضًا، وإنَّما فعل ذلك معه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زجرًا له عن الاستكثار في المال، وإرشادًا على أن لا يأخذ إلا قدر حاجته، أو تنبيهًا على أنَّ أحدًا لا يحمل عن أحد.

(فَنَثَرَ) العباس رضي الله عنه (مِنْهُ) أي بعضه (ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ) فلم يستطع حمله أيضًا (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مُرْ) وفي رواية (بَعْضَهُمْ يَرْفَعهُ) بالجزم أو الرفع (عَلَيَّ فَقَالَ لاَ) آمر.

(قَالَ) وفي رواية سقط لفظ (فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاَ) أرفعه، (فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ) أي ألقى العباس رضي الله عنه إيَّاه (عَلَى كَاهِلِهِ) والكاهل ما بين الكتفين (ثُمَّ انْطَلَقَ) رضي الله عنه.

(فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتْبِعُهُ) بضم أوله، من الإتباع؛ أي يتبع العباس (بَصَرَهُ، حَتَّى خَفِي عَلَيهِ عَجَبًا) بفتح العين وبالنصب، إما على أنه مفعول مطلق، وإما على أنه مفعول له؛ أي تعجبًا. (مِنْ حِرْصِهِ) على المال.

(فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من ذلك المجلس (وَثَمَّ) بفتح المثلثة، أي والحال أنَّ هنالك (مِنْهَا) أي من تلك الدراهم (دِرْهَمٌ) والمقصود منه إثبات القيام عند انتفاء الدرهم؛ إذ الحال قيد للمنفي، لا للنفي، والمجموع منتف بانتفاء القيد لا انتقاء المقيد، وإن كان ظاهره نفي القيام حال ثبوت الدرهم.

ثم إنَّ الترجمة مشتملة على شيئين أحدهما القسمة في المسجد، والآخر تعليق القِنو فيه، وليس في حديث الباب إلا ما يطابق الجزء الأول، لكن ذكر أبو محمد بن قتيبة في تأليفه (( غريب الحديث ) )في هذا أنَّه لما خرج رأى أقناء معلقة في المسجد، وكان أمر بين كل حائط بقنو، يعلق في المسجد، ومعنى ذلك أنَّ ناسًا كانوا يقدمون على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا شيء لهم، وقالت الأنصار يا رسول الله! لو جعلنا قنوًا من كل حائط لَتَناولوا، قال أجل، ففعلوا، فجرى ذلك إلى اليوم، وهي الأقناء التي تعلق في المساجد، فتعطاها المساكين، وكان عليه معاذ بن جبل رضي الله عنه. ذكره ابن بطال.

ومن عادة البخاري الإحالة على أصل الحديث وما أشبهه، والمناسبة بينهما أنَّ كل واحد منهما وضع في المسجد للأخذ منه، لا للادخار، وعدمُ التفات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استقلالًا للدنيا وما فيها

ج 3 ص 205

، فسقط بما ذكر قول ابن بطال، في عدم ذكر البخاري حديثًا في تعليق القنو أنَّه أغفله، وكذلك سقط قول ابن التين أنَّه أُنسيه.

وعند النسائي بإسناد قوي، من حديث عوف بن مالك الأشجعي (( أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج، وبيده عصا، وقد علق رجل قنو حشف، فجعل يطعن في ذلك القنو، ويقول لو شاء رب هذه الصدقة يصدق بأطيب من هذا ) ). وليس على شرط البخاري رحمه الله.

ومن فوائد هذا الحديث أنَّ القسمة إلى الإمام على قدر اجتهاده. ومنها أنَّ السلطان إذا علم حاجةً لأحد إلى المال لا يحل له أن يدخر منه شيئًا. ومنها كرم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وزهده في الدنيا، وأنَّه لم يمنع شيئًا سُئِلَ، إذا كان عنده. ومنها أنَّ للسلطان أن يرتفع عمَّا يدعى إليه من المهنة والعمل بيده، وله أن يمتنع من تكليف ذلك غيره، إذا لم يكن للسلطان فيه حاجة. ومنها جواز وضع ما الناسُ مشتركون فيه من صدقة وغيرها في المسجد؛ لأنَّ المسجد لا يحجب أحدًا من ذوي الحاجة من دخوله، والناس فيه سواء، ومحلُّه ما إذا لم يمنع مما بني له المسجد من الصلاة وغيرها.

وقال ابن القاسم وسئل مالك عن الأقناء في المسجد وما أشبه ذلك، فقال لا بأس بها، وسئل عن الماء الذي يسقى في المسجد، أترى أنَّه يشرب منه؟ قال نعم، إنَّما جعل للعطش، ولم يرد به أهل المسكنة، فلا أرى أنَّه يترك شربه، ولم يزل هذا من أمر الناس.

وقيل يحتمل التفرقة بين ما يوضع للتفريق وبين ما يوضع للخزن، فيمنع الثاني دون الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت